www.alhadattv.ma
*عبد السلام انويكًة
مركز ابن بري للدراسات والأبحاث وحماية التراث
الآفات الطبيعية الوبائية عموماًهي من أعظم تجليات مأساة الانسان عبر التاريخ، ومهما حصل من تحول وتقدم وتمايز أيضاً بين الشعوب هنا وهناك، كانت الأوبئةوجميع ما هو معدي من فيروسات حاضرة تنتظر فرص انتشار وتمدد وفتك مع كل شروط مواتية من مجاعة وجفاف وجراد..وغيره. ولما يتأمل المرء فيما ورد حول الأوبئة في كتب التاريخ على تباين مضانها يجد نفسه بدهشة صادمة، لِما كانت عليه هذه الآفات الطبيعية من قسوةوشدة سحقت البشرية وألحقت بها نزيفاً واسعا شمل ما هو ديمغرافي واجتماعي واقتصادي ونفسي وبيئي..
وأوبئة تاريخ الانسان منذ العصر الوسيط على الأقل كما يتضح من خلال النصوص الاخبارية، جمعت بين طاعون وجذري وحمى صفراء وملاريا وزهري وتيفويد وكوليرا وغيرها، رغم أن الاخباريين ومنهم المغاربة لم يكونوا يفرقون بينها من خلال وضعهم لها في خانة الوباء.كلها جوائح ومهالك أتت على ملايين القتلى بعض منهاتم الخلاص منه بحكم ما حصل من تطور طبي وقائي وعلاجي وآخر لا يزال منتصبا مخيفا مرعبا، ومن هنا ما هناك من أسئلة مقلقة حول أمراضمعدية وأخرى متوطنة وبين الأوبئة.
ولعل لمستوى عيش المغاربة ولأحوالهمالصحية دور هام في فهم ما كان عليه أمس بلادنا الاجتماعي من وضع، فقد عرف مغرب القرن التاسع عشر سلسلة آفات دورية اشتدت وطأتها من جهة لأخرى ومن فترة لأخرى، مثلما حصل مع الكوليرا مثلاً والذي يرتبمن الأوبئة الأكثر شهرة في تاريخ البشرية الحديث. فالدراسات والأبحاث التاريخية الوبائية تتحدث على أن ما بين بداية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين اجتاح هذا الوباء العالم لمرات عدة ، بل لا يزال يعيشه في ظل وباء سابع للكوليرا انطلق في بداية ستينات القرن الماضي من أسيا. وكانهذا الوباء دوما من أخطر الأمراض المعدية ومن الأربعة منها الأكثر فتكا بالإنسان الى جانب الطاعون والحمى الصفراء والجذري، بل الكوليرا منأبشع المصائب نظراً لأعراضها وأثرها وما يمكن أن تتسب فيه من انهيار جسديللانسان.
ومن موجات هذا الوباء خلال القرن التاسع عشر عندما بدأ الاخباريون المغاربة يميزون في نصوصهم بين الطاعون وغيره من الأوبئة، ارتأينا إثارةأزمتين من أزمات وباء الكوليرا الذي عصف ببلادناوكان شاملاً بها الأولى خلال نهاية ستينات القرن والثانية خلال نهاية السبعينات منه بعد عقد من الزمن بين الأولى والثانية. علما أن هذا الوباء خلال هذه الفترة تسبب في هلاك حوالي ستة آلاف من أهل الرباط وحوالي ثلاثة آلاف بتطوان سنة 1855، ومع نهاية نفس القرن وبعد تسربه عبر البحر وعبر سفينة حجاج كان بأثر بليغعام 1896 وهو الوباء الذي نعته المغاربة ب”بوكًليب”، وقد عجز المخزن آنذاك عن وضع حد له بسبب رفضه إجراء حجر صحي على المسافرين بحراً.
وقد ورد حول كوليرا نهاية ستينات القرن التاسع عشر(1868)، قالت نصوص اخبارية مغربية معاصرة أنه بدأ بقيء واسهال مفرطين،أن تسربه للبلاد حدث عبر طنجة بسبب حجاج مغاربةوأن سفينة في هذا التاريخ كانت تحملهم من مصر منعت من الرسو بهذه المدينة وعادت أدراجها الى الاسكندرية من جديد.ورغم ما كان من اجراء احترازي تجاه سفن الحجاج تسرب الوباء الى شمال البلاد حيث تطوان وطنجة، مع أهمية الاشارة الى أن محمد الأمين البزاز رحمه الله يذكر أن هذا الوباء تسرب قبل هذا التاريخ عبر حدود البلاد الشرقية التي ظلت مفتوحة، مضيفاً أن ما حصل من انتشار للعدوى بمختلف جهات البلاد ساعدت عليه ظروف المغاربة المعيشية، وأن عدد القتلى بسببه في طنجة لوحدها مثلاً كان بمعدل سبعة عشرة ضحية يومياً، هذا قبل أن يقلع عنها في أواسط شهر فبراير من سنة 1868.
وباعتبار طنجة وتطوان بوابتان بحريتان بشمال المغرب، هناك تضارب بين الوثائق حول تاريخ تسرب “الكوليرا”اليهما خلال هذه الفترة، مع أن الراجح بحسب تقارير قنصلية هو أن المدينتين أصيبتا به دفعة واحدة عام 1868.وكان الوباء قد تجدد بطنجة صيف نفس السنة وبفتك شديد هذه المرة، قبل انتقاله لفاس التي كانبها حاداً، فقد ورد عنه “وقد بلغنا أن الألم المعروف عند العامة ببوكًليب وصل لفاس، وكثر موت الناس به حتى بلغ الموتى به نحو الثلاثمائة ونصف في اليوم.” هذا قبل يزحفه الى مكناس ثم سلا والرباط.وكان هذا الوباء قد مكث بتطوان سبعة وثلاثين يوما وبطنجة سبعة وعشرين يوما وبالعرائش تسعة وعشرين يوما مع أطول مدة له سجلت بالصويرة بخمسة وسبعين يوما، وقد كان عدد ضحاياه في تطوان أربعمائة وثلاثة وثلاثين وفي طنجة أربعمائة وواحد وأربعين مع أكبر نسبة كانت في مراكش بألف وثلاثمائة ضحية.
ونظراً لِما كان عليه مغرب النصف الثاني من القرن التاسع عشر من عدم استقرار لأسباب عدة ومتداخلة داخلية وأجنبية، فإن ما اعتمده المخزن من حَرْكَات سلطانية طبعت هذه الفترةكان بأثر كبير في اتساع رقعة الأوبئة. فحَرْكة السلطان محمد بن عبد الرحمن مثلاً الى مراكش عبر بلاد زعير عرفت انتشار واسعاً للوباء بين عساكرها،بحيث أتت الكوليرا هذا الوباء على ثلاثمائة منهم كمعدل يومي مما تسبب في خسائر بشرية كبيرة، تحدثت وثائق مغربية حولها عن صعوبة احصاء الموتى في المحلة السلطانية، وأنه مات ما لا يحصى من عساكر المخزن لدرجة أنه تم تركهم على الأرض تأكلها الضباع والذئاب، واضطر السلطان بسبب الوباء للعودة الى مكناس عبر مدينة سلا.
أما عن وباء “كوليرا” نهاية سبعينات القرن التاسع عشر(1878)، الذي قال عنه عبد الله العرويأنه كان ضمن دروة أزمة هذه الفترة الدقيقة والتي انتهت الى كثير من الاندحار،فمن المفيد حوله التأمل فيما ورد في نص معاصر جاء فيه:” دخلت سنة خمس وتسعين ومائتين وألف فكانت هذه السنة من أشد السنين على المسلمين قد تعددت فيها المصائب والكروب وتلونت فيها النوائب والخطوب.. فكان فيها أولا غلاء الأسعار..ثم عقب ذلك انحباس المطر..وأجيحت الناس وهلكت الدواب والأنعام، وعقب ذلك الجوع ثم الوباء ثلاثة أصناف، كانت أولا بالاسهال والقيء..ثم كان الموت بالجوع في أهل البادية خاصة هلك منهم الجم الغفير،وكان اخوانهم يحفرون على من دفن منهم ليلاً ويستلبونهم من أكفانهم عثر بسلا على عدد منهم، وأمر السلطان..أن يرتبوا للناس من الأقوات.. وبعد هذا حدث الوباء بالحمى في أعيان الناس فهلك منهم عدد كبير.”
ومن جملة ما طبعهذا الوباءكونه جاء مصحوباً بمجاعة عصفت بعدة جهات من البلاد، قال عنها قنصل فرنسا بالدار البيضاء: “إن سلاطين المغرب ينظرون الى بؤس السكان كأفضل وسيلة للمحافظة على عرشهم..لأنهم يخشون أن يؤدي رغد العيش الى انتفاضة شعبهم”.هذاخلافاً لِما جاء في وثائق مغربية معاصرة حول ما كان عليه المخزن المغربي، من تدخل ومساعدات إبان فترات الأزمات والآفات الطبيعية والاجتماعية.وكان وباء الكوليرا هذا خلال هذه السنة قد انطلق من مدينة مكناس في عز أزمة مجاعة طاحنة، وبما أنه أتى على عدد كبير من الناسبها فقد اضطر المجلس الصحي بطنجة لتوجيه طبيب اسباني الى المدينة وقدأكد واقع الحال.
والى فاس من مكناس انتقل هذا الوباء قبل تسربه شرقاً الى تازة بواسطة التجار، ومن هذه الأخيرة انتقل الى تاوريرت ودبدو وعيون سيدي ملوك ثم بلاد الريف قبل بلوغه وجدة. ومن مكناس أيضاًكبؤرة انتقل الوباء جنوبا الى تافيلالت ومراكش التي ورد أن بسبب ما حصلكانت جثث القتلى تملأ طرقات المدينة بحوالي ثلاثمائة قتيل يومياً، ومن مكناس انتقل الوباء الى مدن غرب المغرب الساحلية. وبطنجة في اطار اجراءاتوقاية قرر المجلس الصحي انتداب حرس صحي على أبوابهالمنع كل قادم، نفسهالاجراءالذي اتخذبتطوان التي ورد أنها أدت أفدح ضريبة له بشمال البلاد. وفي دراسة تاريخية قيمة حول قبيلة بني مطير بهضبة سايس وسط البلاد، ورد أنها تعرضت سنة 1878 لوباء عظيم أتى على عدد كبير من الأنفس، في وقت كانت فيه القبيلة بصدد مشادة عنيفة مع حرْكة سلطان عرفت بحرْكة الوباء.
من هنا وبعد اطلالة خاطفة حول حلقتين فقط من حلقات جوائح مغرب القرن التاسع عشر وقد تعلق الأمر بوباء “الكوليرا”، يبقى أن التشوف لكل تجديد في كتابتناالتاريخية يقتضى جملة نقاط واعتبارات غير خافية على أهل الشأن من الباحثين المؤرخين، نعتقد أن منها أهمية انفتاح أبحاثناودراساتنا على قضايا زمن بلادنا الاجتماعي وانعطافاته ومحطاته وتجلياته، بما في ذلك الأزمات ومنها الديمغرافية كتعبير أشمل من البيولوجية. ورش كانت قد طبعته تطورات عدة هامة مع جيل الحوليات الفرنسية الثالث، من خلال ولوج ما هو نوعي كذا بناء مفاهيم ونظم عوض جمْعِ وكَمْ.
إن انفتاح باحثينا ومؤرخينا على قضايا فكر فقهاءنا الطبي منذ العصر الوسيط من خلال جمع ما يتعلق بذهنيات وعقليات، بات وجهة على درجة من الأهمية لإغناء نصوصنا التاريخية الحديثة وتراكماتنا ومعها خزانتنا الوطنية. فما هي عليه ذاكرة بلادنا من أزمات طبيعية واجتماعية، تشكل زمنا وملفات وتجليات داعمة لرهان بحث ومقاربة وفق ما ينبغي من تقاطعات منهجية ومعرفية، ما قد يسمح بمراجعات عدة حول هذا وذاك من تاريخنا عموماً.
ولاشك أن جوانب كثيرة من تاريخنا الاجتماعيلا تزال بغير ما ينبغي مما تستحق، رغم جميع ما تراكم في هذا الباب من جهد ونصوص بقيمة مضافة عالية. ذلك أن مصائب بلادنا من شدة دوراتها ملأت حيزاً هاما من زمنها بل هي بمحطات فاصلة فيه. وبقدر ما كان القرن التاسع عشر بآفات عدة خلفت أثرا وتدهوراً كبيراً على أكثر من صعيد، بقدر ما يتحدث الباحث والمؤرخالمغربي عما يسجل من عجز للمادة الوثائقية المتوفرة في اسعاف البحث والدراسة، لبلوغ تاريخ اجتماعي دقيق لمغرب ما قبل الاستعمار بل حتى مجرد رصد تطور عام يغطي جهات البلاد.
ومن أجل تاريخ اجتماعي أهم يخص زمن بلادنا المعاصر وحتى الراهن منه في سنواته الأولى، من المفيد الانفتاح أكثر على الأرشيف الأجنبي كما بالنسبة للفرنسي منه والاسباني. لتأثيث مقاربات تخص مثلاً قضايا الأوبئة والمجاعات التي طبعت هذه الفترة، فالوثيقة الأجنبية قد تكون بمعطيات هامة تخص المحلي من مدن وبوادي وبالتالي امكانية سد ثغرات وبياضات في تاريخ بلادنا الاجتماعي، فضلاً عما يمكن تحقيقه لفائدة خزانة تاريخية وطنية من خلال أبحاث ودراسات حديثة بقيمة مضافة أكثر أهمية.
مركز ابن بري للدراسات والأبحاث وحماية التراث
