كزناية كلدمان تاهلة بني فراسن تايناست أولاد زباير وادي أمليل.. خزان انتخابي يسيل لعاب مرشحي تازة في انتخابات 2026
www.alhadattv.ma
على الورق، يبدو إقليم تازة كدائرة يمكن البحث فيها عن وزن حاسم للقرية. إذ يعيش نحو 844 500 شخص من أصل 247 288 نسمة في الوسط الحضري، فيما لا يتجاوز سكان المدينة 212 ألفا و597 نسمة، أي نحو 70 في المائة من مجموع السكان يعيشون في العالم الفروي و30 في المائة بالوسط الحضري. غير أن نظرة إلى لوائح انتخابات 23 شتنبر تكفي لإظهار أن الحسابات السياسية لا تسير دائما على خط الديمغرافيا.
فبين أسماء المرشحين، يحضر أحمد العبادي، رئيس جماعة كلدمان ضمن لائحة التقدم والاشتراكية، ورئيس جماعة تاهلة، محمد أمغار، عن حزب الاصالة والمعاصرة، فيما يطمح خليل الصديقي للعودة للمرة الثالثة لقبة البرلمان، ويستعد حميد كوسكوس الرئيس السابق لجماعة تازة، لكسب مقعده باسم الحركة الشعبية، ومنير شنتير، رئيس جماعة تازة ضمن لائحة الاستقلال والرئيس السابق لجماعة وادي أمليل، عبدالخالق القروطي ، عن حزب الاتحاد الدستوري عمر بالي عن لائحة “الديك”
وفي المقابل، يحمل أحمد العبادي معه رصيدا حزبيا يمتد إلى كلدمان وتايناست وتيزي وسلي والزراردة ومغراوة، إحدى أبرز نقاط قوة التقدم والاشتراكية خارج مدينة تازة، بينما تدخل الحركة الشعبية المعركة بحميد كوسكوس ومعه نائب رئيس جماعة بني لنت بدعم من رؤساء جماعات اولاد الشريف ومكناسة الشرقية والترايبة وأعضاء من جماعة آيت سغروشن ورئيس جماعة باب مرزوقة ورئيس جماعة الصميعة..
وليست هذه الأسماء تفصيلا في هندسة اللوائح، فالقرية، حتى عندما تصغر على خريطة السكان، تكبر داخل الحساب الانتخابي.
ومن يعرف خرائط التصويت في إقليم تازة يدرك أن الطريق إلى المقاعد الخمسة لا يرسم داخل أحياء مدينة تازة وحدها، بل يمتد أيضا إلى باب مرزوقة، مكناسة الشرقية، كلدمان، تايناست، أولاد زباير، بني فراسن، آيت سغروشن، بني لنت، بني افتاح،أحد امسيلة، الكوزات ، تيزي وسلي، بورد ، أجدير …
وتكشف الأرقام شبه الرسمية جانبا من سر هذا الاهتمام. فمن أصل حوالي 295 ألف ناخب وناخبة مسجلين في اللوائح النهائية لانتخابات 2026، يعيش 70 في المائة في الوسط القروي، مقابل 30 في المائة في الحاضرة.
ويبدو الرقم أكثر دلالة عند مقارنته بالتركيبة السكانية لإقليم تازة، إذ يمثل سكان القرى 70 في المائة من السكان بحسب إحصاء 2024 ومعنى ذلك أن الوزن القروي داخل الهيئة الناخبة يتجاوز وزنه داخل الخريطة الديمغرافية بنحو خمس نقاط.
ولا يتعلق الأمر بظاهرة جديدة. فقبل انتخابات 2021، أظهرت المندوبية السامية للتخطيط أن 94.3 في المائة من السكان القرويين الموجودين في سن التصويت بتازة كانوا مسجلين في اللوائح، مقابل 56.7 في المائة فقط بالوسط الحضري، فيما بلغ عدد المسجلين القرويين آنذاك أكثر من النصف.
وبهذه الأرقام، لا تعود القرية فضاء صغيرا تستدعيه الأحزاب لاستكمال صورة الحملة، بل تصبح كتلة انتخابية قائمة بذاتها، وتمتاز، فوق ذلك، بخصائص تجعل الوصول إليها مختلفا عن استمالة ناخب مدينة تازة.
ففي حي حضري واسع،كحي وريدة، وامسيلة، والقدس الأول والثاني والثالث والمسيرة الأولى والثانية والكوشة والجيارين.. قد يعيش آلاف الناخبين الذين لا يعرف المرشح أسماءهم ولا تربطهم به صلة مباشرة، بينما تمر السياسة في جماعة قروية، في الغالب، عبر شبكات أقصر، من رئيس جماعة ومستشار ومنتخب سابق وفاعل جمعوي، إلى أسرة ممتدة أو شخصية راكمت حضورا محليا على مدى سنوات. ومن ثم تصبح قيمة بعض المرشحين داخل الأحزاب مرتبطة بقدرتهم على الوصول إلى دوائر اجتماعية محددة، أكثر من ارتباطها بحضورهم في النقاش السياسي العام. وتكشف الدائرة الانتخابية تازة هذه المعادلة بوضوح.
شبكات القرى
فقد اختار الأصالة والمعاصرة أحمد العلمي رئيس جماعة كزناية الجنوبية بدائرة أكنول في المرتبة الثانية من لائحته التي يقودها محمد أمغار رئيس جماعة تاهلة.
والعلمي ليس اسما مضافا ضمن خمسة مرشحين، بل رئيس جماعة كزناية الجنوبية منذ ثلاث ولايات متتالية.
ومن زاوية الحساب الانتخابي، يمنح وجوده الحزب جسرا مباشرا إلى جماعة يسيطر عليها محليا، كما يضع داخل اللائحة شخصا يعرف تضاريس جزء من المجال القروي وشبكاته الانتخابية.
وإلى جانب ذلك، يجعل حضور رئيس جماعة بوشفاعة بدائرة وادي امليل، في المرتبة الثانية ضمن لائحة “الكتاب”موزعة بين مراكز نفوذ مختلفة، ولا يحصرها في قلب مدينة تازة.
كما يراهن حزب «الحمامة» على ما راكمه خليل الصديقي خلال مساره داخل العمل الجماعي بتازة، وعلى احتكاكه المباشر بملفات وقضايا الساكنة باعتبارها عوامل قد تمنحه قدرة على خوض المنافسة الانتخابية من موقع مختلف، خاصة في المناطق التي تشكل خزانات مهمة للأصوات بدائرة تازة.
وتبرز وادي أمليل وبوحلو وباب بودير وغياثة الغربية وايت سغروشن ضمن المناطق التي ينتظر أن تحظى باهتمام كبير خلال الحملة الانتخابية، بالنظر إلى ثقلها في حسابات مختلف اللوائح المتنافسة، في وقت يراهن فيه أنصار الصديقي على حضوره وعلاقاته الميدانية وشبكة معارفه بهذه المناطق لاستقطاب جزء مهم من أصوات الناخبين.
أما الاستقلال، فلا يضع رئيس جماعة قروية على رأس لائحته، فاختار الحزب للمرة الثانية على التوالي مستشار جماعي وجهوي سابق ورئيس جماعة تازة ممارس ،لكنه يدخل برصيد يصعب فصله عن جماعات قروية . ففي انتخابات 2021 حصد الحزب عشرات المقاعد في جماعات بورد، مكناسة الغربية، أولاد زباير، بني فراسن، الربع الفوقي، وانتخب رؤساء بورد ومكناسة الغربية عن حزب الاستقلال رئيسين .
كما أظهرت انتخابات المجلس الاقليمي لتازة في العام نفسه وجود منتخبين استقلاليين من مكناسة الغربية وغيرها .. ضمن الكتلة التي صوتت للحزب.
ويأتي حميد كوسكوس، وكيل لائحة السنبلة لاقتراع شتنبر 2026 والمستشار البرلماني السابق ورئيس جماعة تازة لولايتين متتالية الفائز شقيقه بمقعد سنة 2021، إلى الانتخابات الجديدة وهو يستند إلى تنظيم احتفظ بهذه الجيوب،لاسيما بجماعات الصميعة وآيت سغروشن ومطماطة والزراردة بدائرة تاهلة وأولاد الشريف، بني لنت، باب مرزوقة، مكناسة الغربية، مكناسة الشرقية الترايبة بدائرة تازة .
ويحمل الاتحاد الدستوري حالة مختلفة. فعبد الخالق القروطي لا يرأس حاليا جماعة ترابية ، لكنه راكم تجربة سابقة في رئاسة جماعة وادي امليل، ثم نائبا برلمانيا بإسم الوردة عن دائرة تازة.
وفي بني فراسن تحديدا، انضم جميع الباميين أعضاء المجلس الجماعي لحزب الاتحاد الاشتراكي ،وهو الحزب المعول عليه المنتظر منه حسب الواقع حصد جل أصوات الجماعة التي تعتبر أكبر خزان انتخابي بالدائرة الانتخابية تازة. لمرشح الوردة ولذلك يدخل محمد أجطيو، نجل رئيسة جماعة بني فراسن وابن البرلماني ورئيس الجماعة السابق، الغازي أجطيو ، بذاكرة انتخابية تتجاوز حدود المدينة بكثير، وإن كان عليه هذه المرة العمل داخل خريطة تغيرت فيها الولاءات واللافتات الحزبية.
أما العدالة والتنمية، الذي خرج من تشريعيات 2021 بلا مقعد في تازة، ورغم أن وكيل اللائحة ، خالد البوقريعي، مثل دائرة الحاجب بالبرلمان في انتخابات 2021 فقد وضع نائب رئيس جماعة تازة السابق ومستشار بجماعة باب مرزوقة سابقا و المسؤول الأول عن الحزب بإقليم تازة، أحمد بودرة ،في المرتبة الثانية، وهو الرجل الذي راكم علاقات سياسية مهمة بالنظر للسمعة الطيبة التي يتحلى بها على الصعيد الإقليمي. علاوة على التنظيم الجيد للحزب ووفاء المنتسبين له ..
وهنا يصبح وجود بودرة داخل اللائحة مفهوما في سياق أبعد من صفته التنظيمية، إذ إن حزبا يسعى إلى العودة إلى البرلمان بعد خسارة 2021 يحتاج إلى البحث عن أصوات في كل المساحات الممكنة، ومن بينها جماعة باب مرزوقة، بورد، أولاد زباير .
الولاءات المتحركة
غير أن الخزان القروي لا يبقى دائما في مكانه، وهذه واحدة من أكثر نقاط انتخابات 2026 إثارة في إقليم تازة.
ففي 2021، بنى الاتحاد الدستوري شبكة واسعة خارج المدينة، إذ حصل على مقاعد في مغراوة، تاهلة، بوحلو، بويبلان، كما تقاسم صدارة جماعات مع جماعات، وامتلك تمثيلا في جماعات أخرى.
لكن الحزب الذي امتلك هذه الخريطة قبل خمسة أعوام يدخل الانتخابات التشريعية الحالية باسم حزب الاصالة والمعاصرة؟؟؟
ولذلك لا يتعلق السؤال بما إذا كانت الاصالة والمعاصرة تمتلك اليوم “رصيد الاتحاد الدستوري”، فالأصوات لا تنتقل آليا مع انتقال المرشح، كما أن المستشارين لا يشكلون ملكية شخصية لوكيل اللائحة. وإنما يتعلق الاختبار الحقيقي بمعرفة الجزء الذي كان مرتبطا بالحزب، والجزء الذي تشكل حول الأشخاص وشبكات المصالح والعلاقات المحلية رغم تطمينات مرشح الحزب للقيادة الجهوية والمركزية للحزب الذي يدعي حصوله على أزيد من 5 ألف صوت…؟؟
ومن هنا تحمل جماعات مثل كزناية الجنوبية وبني افتاح واولاد زباير، وآيت سغروشن قيمة خاصة في قراءة ليلة 23 شتنبر. فإذا استطاعت الاصالة والمعاصرة اختراقها بوضوح، فسيعني ذلك أن جزءا من الشبكة القديمة تحرك مع امغار، أما إذا حافظ البام على حضور مؤثر فيها، فسيكون الحزب قد أثبت أن قاعدته المحلية أكثر تماسكا من مغادرة وكيله البرلماني السابق لحزبه الاصلي وهو ما يستعصي عليه بالنظر للخلافات الداخلية التي عصفت بوحدة التنظيم بتازة قبل أسابيع.
ويواجه الاستقلال معادلة أخرى. فلائحته الحالية تبدو أكثر ميلا نحو المدينة، إذ يقودها البرلماني الحالي ورئيس جماعة تازة منير شنتير وتضم معاد شنتير ، من دون رئيس جماعة قروية ضمن الأسماء الخمسة.
لكن ذلك لا يجعل الحزب غائبا عن الريف الانتخابي. ففي جماعيات 2021 حصل على مقاعد لا يستهان بها ، في مكناسة الغربية وبورد واولاد زباير وبني فراسن وباب مرزوقة..
كما عمل قبل انتخابات 2026 على استقطاب رؤساء ومستشارين من الجماعات القروية، في مؤشر على أن الحزب نفسه يعرف منذ خمسة سنوات قيمة هذه الشبكات.
وتكشف هذه الحالات أن الأحزاب لا تتعامل مع العالم القروي بالطريقة نفسها. فبعضها يضع رئيس جماعة داخل اللائحة، وبعضها يعتمد على رصيد حزبي قديم، وبعضها يراهن على منتخب انتقل معه جزء من شبكة سابقة، فيما يدخل بعضها الآخر بمراكز ثقل حضرية ثم يستدعي مستشاريه ومنتخبيه القرويين لتأمين الامتداد خارج المدينة.
أكثر من سكان
وتزداد المفارقة وضوحا حين نعود إلى أرقام إقليم تازة نفسها. فقد ارتفع عدد سكان إقليم تازة حسب إحصاء 2024، غير أن النمو لم يكن موزعا بالتساوي وعرفت معها القرى والبوادي ارتفاعا ملموسا في عدد السكان.
ولم تعد هذه المناطق كلها قرى بالمعنى التقليدي القديم. فبعضها أصبح جزءا من الحزام المتحرك حول مدينة تازة، حيث تتقاطع الزراعة والسكن الجديد والمصانع والطرق ومشاريع التعمير ككلدمان ومكناسة الشرقية ومكناسة الغربية وباب مرزوقة…
ومع هذا التحول، تتغير المطالب أيضا، فتغدو الأرض والتعمير والنقل والماء والطرق وفرص العمل والخدمات المحلية قضايا انتخابية مباشرة، فيما يصبح رئيس الجماعة أو المنتخب المحلي في تماس يومي معها.
وهنا تحديدا تتضاعف قيمة الشبكة المحلية. فالناخب لا يرى البرلمان منفصلا دائما عن الجماعة، ولا يقسم المسؤولية بالضرورة بين اختصاصات الدولة والمجلس الجماعي والجهة.
وحين تتعطل طريق، أو تتأخر وثيقة، أو يغيب النقل، أو يثار نزاع حول التعمير، يصبح المنتخب الأقرب هو العنوان الأول للطلب أو الغضب. ثم تتحول هذه العلاقة المتراكمة، عند حلول موعد الاقتراع، إلى رأسمال تحاول الأحزاب تحويله إلى أصوات.
ولا يعني ذلك أن سكان القرى يصوتون كتلة واحدة، أو أن رئيس الجماعة يملك أصوات سكان جماعته، بل إن نتائج 2021 نفسها تنفي ذلك. فباب مرزوقة توزعت بين أربعة أحزاب، وأولاد زباير بين أربعة، وآيت سغروشن تقاسمها الأحرار والاتحاد الدستوري والبام مع حضور لأحزاب أخرى. ولذلك يظل حتى النفوذ المحلي معرضا للاختبار عند كل استحقاق.
لكن الأحزاب لا تحتاج إلى السيطرة الكاملة على قرية حتى تستفيد منها. ففي دائرة لا توزع سوى خمسة مقاعد، ويتزاحم عليها عدد كبير من اللوائح، تصبح بضعة آلاف من الأصوات المنظمة ذات قيمة مختلفة عن كتلة أكبر يصعب تعبئتها داخل مدينة واسعة.
ولهذا لا تمر أسماء رؤساء الجماعات والمنتخبين القرويين في لوائح 2026 مصادفة، بل تعكس معرفة قديمة داخل الأحزاب بأن الخريطة الانتخابية ليست نسخة من خريطة السكان.
فتازة المدينة تملك الكتلة الديمغرافية الأصغر، وفيها يوجد فقط مرشحين إثنين يمثلان حزب الاستقلال والحركة الشعبية ، والمرشحين المتبقين هم من وادي امليل، تاهلة، سيدي علي بورقبة، تيزي وسلي، كلدمان، كاف الغار، آيت سغروشن…، لكن خارج شوارعها وأحيائها توجد جماعات أصغر يعرف المرشحون طرقها وأسماء منتخبيها ونتائج صناديقها السابقة بدقة.
ومع اقتراب موعد التصويت، ستعود تلك الجماعات إلى مركز الحسابات، لا لأنها أكبر من المدينة، وإنما لأن السياسة الانتخابية تقيس الأرض بعدد الأصوات التي تستطيع إخراجها من البيوت إلى الصناديق، لا بعدد السكان المكتوب في سجلات الإحصاء.
