www.alhadattv.ma
*عبد الإله بسكمار
لعل أقدم نص تاريخي وصلنا حول يهود تازة، ورد في كتاب “وصف إفريقيا ” Description de L’Afrique للرحالة المؤرخ الحسن بن محمد الوزان الغرناطي الفاسي المعروف بليون الإفريقيLéon L’Africain ، ويظهر من هذا النص أن اليهود كانوا بحجم كبير في المدينة يقدربألفين وخمسمائة (2500) نفرٍضمن 500 عائلة ( أو 500 دار بتعبير الوزان) من مجموع ما يقارب خمسة آلاف كانون ( أي أسرة ) تكون ساكنة تازة خلال هذه الفترة التاريخية أي عموما، الربع الأول من القرن السادس عشر الميلادي/ العاشر الهجري، وهوما يعكس حجما معتبرا لمدينة تازة وكذا ليهودها، ونحن نعلم أن الفترة توازي نهاية الدولة الوطاسية، وظهور زعامات سياسية وجهادية جديدة بينها الأشراف السعديون، فيما كانت تازة قد عرفت فترة من الرخاء والاستقرارتعد نوعا ما استمرارا للفترة السابقة أي عهد بني مرين، رغم القلاقل والاضطرابات التي عرفها هذا العهد، ولكن الواقع الحضاري والثقافي للمغرب المريني كان مع ذلك متألقا .
أكثر من ذلك، فإن الدينامية التاريخية للفترات اللاحقة منذ الحقبتين المرينية والوطاسية، إلى حدود الدولة العلوية، كانت في جلها عبارة عن محاولات عبر حوضي سبو وإيناون لإعادة المنطقتين للفترتين المعنيتين والحنين Nostalgie إليهما دون نتيجة، بسبب الاستقراروالازدهار وأيضا الحظوة التي نالها حوض إيناون بالأساس، عبر حكم بني مرين وبني وطاس حتى قيل ” من بَعْد بني وطاسْ ما بقى ناس” ونحن نتحدث عن تازة ومنطقتها على نحو خاص .
يشير الوزان إلى أن يهود تازة، كانوا يشتغلون وقتذاك بصناعة ” الماحيا ” ويصفها بأنها أجود خمور الناحية، وهو ما يعكس نشاطا تقليديا ما فتئ اليهود يمارسونه منذ أقدم العصور، كما يؤكد وجود تلك الصناعة في تازة خلال هذه الفترة التاريخية، علاوة على تجارة الحبوب التي يبدو أن يهود تازة قد تدخلوا فيها كوسطاء بالأساس.
ارتباطا ب” قلق الاستقرار” الذي سجلناه حول يهود تازة والتباس وضعهم حسب المراحل التاريخية، فقد هاجر الكثير منهم كما تفيد المصادرسنة 1554 م ولعل هذه السنة، كانت هامة بالنسبة لتاريخ مملكتي فاس ومراكش على السواء، وأيضا لتاريخ التغلغل العثماني في المنطقة، ونقصد أواخر الوطاسيين مع أبي حسون وبدايات السعديين المدعومين بالنسب الشريف والحركة الجزولية في الجنوب، فنحن نعلم أن كلا من فاس وتازة احتفظتا بولائهما لأبي حسون الوطاسين، إذ يعدهما المؤرخون من أواخر المناطق المغربية التي خضعت للسعديين، وكانت الساكنة في عمومها معادية لهؤلاء الحكام الجدد الصاعدين من سوس على أساس الجهاد و” النسب الشريف”، وظل الموقف المعادي تبعا ليس فقط لحنين المنطقة إلى أيام العز والمجد والهناء في عهد المرينيين، ولكن أيضا لأسباب شرعية وتحت تأثير فقهاء وشيوخ الفترة كالونشريسي وعبد الوهاب الزقاق والقاضية بحرمة وجود إمامين أو بيعتين في وقت واحد.
الأساس أن أكثر يهود تازة هجروا مدينتهم وملاحهم، تحت تأثير جسامة الأحداث والتي ساهمت فيها أطراف عدة، أبوحسون الوطاسي الذي يعتبرنفسه السلطان الشرعي والمدعوم من طرف عثمانيي الجزائر، ثم ساكنة تازة وفاس المؤيدة له، وأخيرا الحركة السعدية الصاعدة، والمعروف أن هذه المرحلة تميزت بمحاولتين للسيطرة على إيالة الطرف الآخروبالأسلوب العسكري المباشر، فقد حاول محمد الشيخ السعدي السيطرة على تلمسان سنة 1549 وتمكن من ذلك، لكن الجيش العثماني رد بهجوم مضاد، ونجح في الدخول إلى تازة بصحبة أبي حسون في دجنبر 1553، ويبدو أن يهود تازة كانوا أيضا يؤيدون هذاالأخير، لكن التطورات اللاحقة وخاصة، الثورة التي حدثت بفاس وانسحاب الجيش العثماني بدءا من يناير1554، جعل اليهود يغادرون تازة في اتجاهات مختلفة مخافة على مايبدو من انتقام السعديين بقيادة محمد الشيخ، بعد انتصارهم ويعزز كل ذلك أوضاع التعايش والاستقرار التي عرفها اليهود سواء في ظل أواخر الوطاسيين أو على عهد السلاطين العثمانيين .
وإذا أضفنا عنصرا أساسيا يتمثل في تجنب اليهود عموما للفتن وتخوفهم من التناحرات السياسية أو الحروب الأهلية ( حتى وإن كان بعضهم دون تعميم طبعا، لعب دورا خفيا وأحيانا خطيرا وراء الستار) إذا أضفنا هذا العنصر إلى العوامل السابقة، اتضحت الصورة التاريخية المُقْنعة وراء تلك الهجرة المحددة بمنتصف القرن السادس عشر الميلادي/ العاشر الهجري، ولكن يهود تازة سرعان ما عادوا إلى وضع الاستقرار بعد ذلك، إذ يظهرأن الساكنة انتعشت وتحركت الدينامية الاقتصادية والاجتماعية ورجع عدد منهم إلى موطنه بتازة .
وخلافا لبعض الكتابات العبرية، فيما يخص ابن مشعل وإمارته وقصته مع الرشيد العلوي، فإن هذا الأخير، سرعان ما أقر أوضاع اليهود عموما، مثلما كانوا عليها من قبل، أي باعتبارهم أهل الذمة يؤدون الجزية مقابل الحفاظ على أرواحهم وممتلكاتهم وممارسة عباداتهم وعاداتهم، خاصة على صعيد ملاح فاس ودون شك، امتد ذلك إلى ملاح تازة، وفي بداية سنة 1666توجه التاجر الفرنسي رولان فريجوس Roland Frejus المبعوث من طرف الملك لويس الرابع عشر إلى مدينة تازة للقاء العاهل العلوي م الرشيد وكان من مرافقي قافلته اليهودي الإسباني يعقوب باريونتي L’Israélite Jacoub Prienté صاحب النفوذ بمنطقة الريف وقتذاك والذي قام بمهمة أساسية في تعرف فريجوس على بعض مناطق وقبائل شمال وشرق تازة.
ويبدو أن يعقوب هذا كان أيضا مترجما للمبعوث الفرنسي لدى العاهل العلوي ( ملك تافيلالت حسب فريجوس)، الشيء الذي يمنح الانطباع المؤكد بوجود ساكنة يهودية في أحواز تازة وبواديها خلال هذه الفترة التاريخية، وأن عددا من هؤلاء كانوا عارفين بأسماء الأماكن ومواقعها وباللغات الأجنبية على الأرجح ومنها اللغة الفرنسية ثم الإسبانية، فضلا عن اللغة العربية واللهجات المحلية، ما ساعد فريجوس وغيره من مستكشفين وباحثين أوربيين بمختلف توجهاتهم على معرفة مسالكهم والمناطق التي مروا منها نحو أهدافهم المحددة.
وتفيد نفس تلك الكتابات آن الضرائب أرهقت يهود تازة في عهد المولى اسماعيل، علما بأن هذا السلطان، اتبع نفس سياسة أخيه تجاه اليهود وقرب عددا من كبرائهم في مجالي السياسة والتجارة، وكان م اليزيد مفعما بروح جهادية ملتبسة، فذهبت المذكرات العبرية إياها إلى أنه تم التعسف في عهده على اليهود بالمغرب ومنهم يهود تازة، الذين هدمت بيعهم وقتل عدد منهم .
في سنة 1862 زار تازة المستكشف الألماني جيرهار روبليف Gerhard Robilfs وقدر عدد اليهود في هذه الفترة التي توافق حكم السلطان محمد بن عبد الرحمان في 800 نسمة، وقد عرفت أعداد اليهود تبعا لذلك تأرجحا بين الارتفاع والانخفاض ولكنها كانت تميل منذ عهد اليزيد إلى الانخفاض بسبب حوادث السيبة والحركات السلطانية وصراعات وتجاذبات قبائل المنطقة، سواء فيما بينها أوبينها وبين ساكنة المدينة .
خلال نهاية القرن التاسع عشر، كان الراهب والجاسوس الفرنسي شارل دوفوكويسجل بدقة متناهية وبمكر استعماري كبير معلومات خطيرة حول منطقة تازة والمعروف أنه كان صديقا حميما للجنرال ليوطي منذ أن عمل في جنوب غرب الجزائر، منطقة تازة من حيث إطارها الطبيعي والبشري ومجالها الدفاعي وبعض عادات القبائل وأعرافها ودرجة تسليحها بدءا من 30 يوليوز 1883 عند تخطيه ناحية عنق الجمل وبداية تماسه مع حوض إيناون.
وكان عدد اليهود قد تقلص في مدينة تازة إلى 200 شخصا من حوالي 4000 نسمة خلال هذه الفترة التي توافق حكم السلطان المولى الحسن ( الأول )، ونشير هنا إلى أحداث 1890 التي لم توضح مصادر الفترة طبيعتها، ولكن البعض أفاد بمنع حاكم تازة اليهود من النفخ في البوق ( عبارة عن قرن ثور مزين على نحو معين ) وهو من أبرز طقوسهم في بعض أعيادهم وأفراحهم ومناسباتهم الحربية بالخصوص.
ومن المحتمل أن تكون هذه العادة اليهودية وراء إزعاج أو استفزاز جماهير المسلمين البسطاء، مع ما يتبع ذلك عادة من احتكاك، أو صدام بين الطرفين، عادة ما يفصل فيها المخزن ( إذا كان قويا مستبدا ) أو شرفاء وأشخاص ذوو نفوذ في المنطقة عن طريق الشفاعة والوساطة وتقريب الأضاحي .
قام الماركيز دوزيكونزاكLe Marquise De Segonzac برحلات ثلاث، ذات طابع إتنوغرافي تجسسي إلى المغرب، متخفيا في زي تاجر مسلم وبمساعدة شرفاء وزان ( دار الضمانة ) وخلال رحلته الثالثة التي استمرت من ماي إلى أواخر غشت 1901 سجل في كتابه “أسفار بالمغرب “Voyages “au Maroc (1899 – 1901) وجود أقليات يهودية بأحواز تازة وخاصة ببعض مناطق الريف كسنادة ( ربما يقصد صنهاجة ) وكزناية، مما يعكس روح التسامح والتعايش عكس ما كان يتصوره الأجانب من تعصب وتزمت ورفض للاختلاف .
بالمقابل، تذكر مصادر بداية القرن العشرين فيما تذكروقوع مدينة تازة تحت رحمة الجيش المخزني العزيزي خلال الأسابيع الرهيبة ليوليوز 1903، فالمعروف أن المغرب دخل طورا جد متدهور من تاريخه، فقد خلاله استقلاله تدريجيا، بفعل تآمر القوى الاستعمارية واقتطاع أجزاء من التراب الوطني، لصالح الجزائر الفرنسية والضعف العام للمخزن والصراع حول ولاية العهد والفساد الذي ميز الفترتين العزيزية والحفيظية معا .
نتيجة كل تلك الأوضاع، انعدم الأمن وانتشرت الانتفاضات وكان من أبرزها ثورة الروغي الجيلالي اليوسفي الزرهوني ( المنعوت بالفتان )، والذي رفع راية الجهاد وادعى أنه الإبن الأكبر للمولى الحسن الأول وندد بتدخل الأجانب في شؤون المغرب والتفريط في أراض مغربية كتوات وتديكلت وغيرها، فهزم الجيش العزيزي قرب فاس في كعدة الروانب والذي كان بقيادة عبد السلام الأمراني ثم أعاد الكرة ولكنه هُزم في معركة ثلاثاء النخيلة،على يد جيش مخزني جرار يقوده المنبهي، فقرر المخزن العزيزي القضاء نهائيا على هذا الثائربتعاون كان ضمنيا في البداية، لكنه أصبح علنيا مع سلطات الجزائر الفرنسية، حيث جهز جيشا قوامه سبعة آلاف جندي تحت قيادة العلاف الكبير ( وزير الدفاع ) المهدي المنبهي وبعد شهرين من المعارك مع قبائل المنطقة استطاع الجيش العزيزي أن يسيطر على تازة بمساعدة المدني السملالي شيخ زاوية واركين وبتأييد قبيلة مكناسة ويشار إلى أن أهل تازة والنواحي انقسموا بين مؤيد ومعارض للروغي وللمولى عبد العزيزعلى حد سواء.
دخل الجيش العزيزي إلى تازة من باب الجمعة الموجودة في اتجاه مكناسة، مستغلا وجود الدعي الجيلالي في وجدة التي بويع له هناك ودُعي له فيها باسم السلطان مولاي امحمد بن الحسن، وربما كان عامل قرب الملاح من باب الجمعة حاسما في هرولة الجنود نحوه ونهبه والتنكيل بأهله، تماما مثلما تم التنكيل بساكنة تازة المسلمة وأحيائها، استوى في ذلك من كان مؤيدا للروغي ( من فقهاء وحرفيين وعموم الفقراء والبسطاء ) أومن انحاز لمولاي عبد العزيز( الأعيان والشرفاء وبعض شيوخ الزوايا وغيرهم ) فنُهب الملاح بشكل لم يسبق له مثيل، علما بان الساكنة اليهودية ذاتها كانت منقسمة على نفسها بين مؤيد ومعارض .
مختلف مصادر الفترة تسجل تخريب الملاح، مثل عدد من أحياء تازة على يد العسكر العزيزي، الذي كان يعاني بدوره من أوضاع صعبة ماديا ومعنويا ولوجيستيا، فلم يجد من يصب عليه جام غضبه إلا أهل تازة الأبرياء البسطاء، مسلميهم ويهودهم، ويدعي يوءاف شاخام أن 30 شخصا يهوديا لاقوا مصرعهم في هذه الأحداث المؤلمة، ونحن نتساءل بدورنا عن عدد المسلمين الذي أجهز عليهم الجيش العزيزي منذ ذلك اليوم الدامي 07 يوليوز 1903 وطيلة أسبوع تقريبا، والذي أقدم على اقتراف مختلف المناكر في حق أهل تازة المسالمين، بحيث لم يفرق بين مذنب ( يعني مؤيد للفتان ) وبريء، إلى درجة أن عددا من الأسر التازية كانت تلقي بناتها في الآبار مفضلة هذا المصير على عار مشين يلحق تلك الأسر.
كما خرب ذلك الجيش المتهورمآثر تازة ونهب الجامع الكبيرومحتويات خزانته، وانتهك الجنود دار قاضي البلد نفسه السيد عبد السلام الجايي وساقوه أسيرا مجردا من ثيابه حتى كساه المنبهي، وهكذا تم تخريب الملاح، وانتهاك المسجد الأعظم على حد سواء، وقد حاول العلاف الكبير المهدي المنبهي ترقيع الخرق على الراقع وإعادة الأمور إلى نصابها، فأوقف النهب والقتل والسرقة والاعتداء، ثم التمس من السلطان م عبد العزيز نفسه زيارة تازة لأنه أيقن أن الأمورتستوجب حضور السلطان نفسه وأنها اعقد بكثير من مجرد عصيان أو تمرد معتاد، الشيء الذي لم يقدم عليه السلطان، لسبب أو لآخرليس هنا مجاله.
صفحة مشينة دون شك من تاريخ المغرب، راحت الساكنة ضحيتها بسبب انهيار البلاد على نحو شامل، والصراع على السلطة وفساد أهل الحل والعقد، وكانت نتيجة الفوضى أساسا، أن هجر يهود تازة مدينتهم من جديد نحو دبدو وتلمسان ومليلية، إلى درجة أن تكوَّن في هذه الأخيرة حي خاص بيهود تازة وقد عرفت هذه الأخيرة تناقصا بينا ليهودها، بل أصبح ملاحها خربا شبه خال من ساكنته، مثلما تفيد مصادر الفترة .
يصف ناحوم شولتز هجرة اليهود من تازة إلى مليلية على نحو مأساوي يتسم ببعض التزيد، ولم يكن هناك ألم الجوع ومغادرة الملاح فقط، بل انضاف الوباء أيضا والذي قضى على من توجه إلى فاس من يهود تازة، فرارا من الأزمة، بينما كُتبت النجاة لمن توجه إلى دبدو ومليلية، ولولا أريحية الحاكم الإسباني لمليلية – حسب الكاتب الفرنسي اليهودي – لفني هؤلاء اليهود بدورهم عن بكرة أبيهم.
وربما كان موقف الروغي اللطيف تجاه يهود تازة والمنطقة إلى حد أنه كان يخاطب زعيم الجماعة بلقب ” القائد “، ربما فسر ذلك الموقف الطبيعة الشرسة والعدوانية التي تعامل بها جيش المخزن العزيزي مع عموم ساكنة تازة، مسلميها ويهودها على حد سواء .
لما أعلنت الحماية على المغرب في 30 مارس 1912 عاد عدد من يهود تازة إلى الملاح، وانتعشت تجارتهم وحرفهم وإن لم تعرف نسبتهم أي زيادة، إذ لم يتجاوزوا 105 نفرا من مجموع 9667 نسمة كانت هي ساكنة تازة حسب إحصاء 1926 بينهم 2365 من الأوربيين، وستعود هذه النسبة إلى الارتفاع خلال العقود اللاحقة وحتى سنة 1948 تاريخ تأسيس الكيان الإسرائيلي، وما تبع ذلك من مواقف رسمية ( من قبل السلطان والأحزاب الوطنية كحزب الاستقلال والشورى وح الشيوعي وهذا الأخير عرف وجود عدد من اليهود في صفوفه ) أو ردود فعل شعبية تجاه يهود المغرب، وما تلاه من تداعياتٍ أبرزها مسألة الهجرة، وبلغ عدد يهود تازة في إحصاء 1952، 114 شخصا، ومن جهته، ذكر لويس فوانو عددا من الأسر التازية ذات الأصول اليهودية كاولاد بليلطي وولاد السبدوني وولاد الرواس وولاد بن كيكي وولاد مامان وآل بن زاكين .
مع كل ذلك وبرغمه، استمرت ثقافة العيش المشترك بين الأقلية اليهودية بتازة والغالبية المسلمة، ومن أهم محطاتها العطف على الأطفال من الطرفين، الحضور في مناسبات وأعياد هذا الجانب أو ذاك، وتوزيع ” الرقاقة ” حسب بعض الروايات الشفوية وهو خبز يهودي متميز يطهيه على المقلاة، وتبادل أنواع الوجبات كالطحال ( طحان البكَري خاصة والذي يتم ملؤه بالتوابل والمواد والإعشاب ثم شويه وهي أكلة ذات أصل يهودي معروف) والحريرة التازية التي رافقت بعض اليهود حتى الأراضي الفلسطينية المحتلة، والاستفادة من الحرف اليدوية الدقيقة أحيانا، كالصباغة على الذهب وباقي المعادن والنقارة ( النقش على النقرة ) وقد مارس اليهود هذه الأخيرة بكثافة إلى درجة أن الفيسارية القديمة القائمة بين القزدارين وسوق النجارين بتازة العتيقة، كان اليهود ” النقايرية ” يشغلون أغلب محلاتها.
وكانت هناك حرفة البرادعيين أي صانعي برادع البهائم والخيول إضافة إلى السراجة والسكافة وظلت حرفة البرادعية متركزة في سوق اليهود ( محل المطاعم حاليا ) علاوة على صناعة الأفرشة التقليدية ( المطَرَّباتْ ) وتفيد شهادات شفوية أنها كانت من أكثر الصناعات التي يتقنها يهود تازة، إضافة إلى هذا وذاك، تركز بعض يهود تازة في المجال التجاري الحديث بالمدينة الجديدة ( ذراع اللوز) كالتاجر عيوش مثلا، في حين اشتغل بعضهم بالوساطة التجارية بين تازة وفاس وجرسيف ووجدة ومليلية خاصة وتقلد بعض اليهود مناصب رفيعة بتازة، فكان منهم مثلا أطباء ماهرون ويذكر أهل المدينة إسم الطبيب حسون الذي شهدوا له بالكفاءة والمهنية ومظاهر التفاني في خدمة الزبناء والمرضى .
وأخيرا، هناك ظاهرة الزيجات المختلطة التي سجلت في مرحلة تقلد علال الفاسي لوزارة الشؤون الإسلامية بين 1961 و1963، إذ شهدت الفترة دخول شبان يهود من الجنسين إلى الإسلام، مما أثار حفيظة الحاخامات والأحبار المتطرفين، وكان من نتيجة ذلك أن تزوج شباب تازي ببعض الإسلاميات ( اليهوديات اللائي أسلمن ) وعاشوا معهن حياة سعيدة على وجه العموم .
كان من أحبار تازة إسحاق بن سمحون بن الجنان وداوود كيكي وأبراهام كوهن الصقلي، أما شيخهم برسم سنة 1945 فكان هو هارون مرصيانو .
استمرت أعداد اليهود بتازة في التناقص اعتبارا خاصة من حرب الأيام الستة ( يونيو 1967) وكانت آخر مواطنة يهودية مغربية توفيت منذ حوالي عقد من الزمن هي السيدة التي كان يطلق عليها أهل تازة ” سليطنة ” ظلت تقطن لوحدها عقودا من السنين مع فتاة مسلمة تبنتها، وطالما اعتزت سليطنة بمقامها في تلك المدينة فكأنها كانت تحرس آخر ما تبقى من تراث الآباء والأجداد بملاح تازة، ويشار إلى أن جنازتها تمت وفق طقوس الديانة اليهودية .
* رئيس مركز ابن بري التازي للدراسات والأبحاث وحماية التراث .
