تفاصيل رسوب حكومة إيطاليا في امتحان أحداث سبتة المحتلة

www.alhadattv.ma

* ياسين بلقاسم – إيطاليا

أرادوا كسر شوكة إسبانيا. لكن نجحوا بشكل رئيسي في وضع أنفسهم في موقع مثير للسخرية، مسببين العار للبلد بأسره.
لقد وجدت رئيسة الحكومة الإيطالية دجوردجا ميلوني ووزير خارجيتها في أحداث سبتة المحتلة فرصة سانحة لتوجيه اللوم إلى رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز والمغرب، باستعراض “عضلات” الحدود، تأجيج الدعاية ومحاولة حشد الدعم في الداخل.
ابتدأت العملية بنسج الاتهامات الكاذبة والتشهيرية ضد إسبانيا، ثم قرار تعليق اتفاقية شينغن وإعادة فرض المراقبة على القادمين من إسبانيا، رغم أن سبتة المحتلة لا تدخل في مجال شينغن.
يدخل ذلك في محاولة استعراض القوة في رسالة موجهة إلى الاتحاد الأوروبي مفادها استعداد الحكومة الإيطالية وحزمها.
لكن وفي نفس الأسبوع، تفاجأت حكومة ميلوني بموقف ألمانيا المصر على ترحيل طالبي اللجوء إلى إيطاليا، الذين دخلوا ترابها من إيطاليا، وفق اتفاقية دوبلان حول اللجوء.
من سوء الحظ، اتخذت الأحداث منحى سريعا ومختلفا عكس ما اعتقدت روما والأغلبية الساحقة من المغاربة الذين دخلوا إلى سبتة يومي 30 و 31 غشت عادوا إلى منازلهم.
فمدينة سبتة المغربية المحتلة من طرف الإسبان، ليست جزءا من منطقة شينغن، كما أكدت المفوضية الأوروبية ذلك. ولم يحدث ذلك التدفق الكاسح المتوقع للمهاجرين إلى أوروبا القارية، والذي استندت إليه الحكومة الإيطالية كمبرر لعمليتها.

الدرس الجميل جاء من الاتحاد الأوروبي.

في اجتماع وزراء الداخلية الأوروبيين، حدث عكس ما كان تأمله ميلوني وطاياني تماما: تضامن كامل مع إسبانيا واعتراف واضح بفعالية التعامل المشترك بين مدريد والرباط مع الأحداث.
أما إيطاليا، فقد وجدت نفسها معزولة بشأن قرارها بالإبقاء على مراقبة القادمين من إسبانيا، علما أن إيطاليا لا يربطها أي خط بحري أو جوي أو بري مع سبتة المحتلة. لم يوافق أحد توجه ميلوني، ولا حتى صديقاتها الحكومات اليمينية.
بالموازاة مع ذلك، تعالت في إيطاليا دعوات سخرية لتنظيم دروس محو الأمية في الجغرافيا وقواعد الاتحاد الأوروبي لبعض السياسيين وعلى رأسهم وزير الخارجية.
من جهتها مدريد، بعد أيام من الانتظار وطلبها عبر القنوات الدبلوماسية إعادة العمل باتفاقية شينغن، دون تلقي رد إيجابي، ردت بالمثل بفرض ضوابطها الخاصة على القادمين من إيطاليا.
وهكذا انتهت الحرب الدعائية ضد سانشيز بخلق مشاكل جمة للمسافرين الإيطاليين دون حل أي قضية تتعلق بالهجرة.
ثمة نزعة محلية عميقة في السياسة الخارجية الإيطالية القائمة على التصريحات والبلاغات الصحافية وتحديد الأعداء واستعراض القوة. تبدأ النزعة بالاقتناع وكأن إيطاليا تقود أوروبا، لتكتشف فيما بعد أنها وحيدة في الزاوية وأن أوروبا لا تتبع مزاجها.
في هذا السياق، في حوار مع صحيفة “كورييري ديلا صيرا” نشره موقع وزارة الخارجية الإيطالي، وجه أنطونيو طاياني وزير الخارجية رسالة مباشرة إلى مدريد، قائلا إن على إسبانيا، بدل القلق من الإجراءات الإيطالية، أن “تهتم بالمغرب”، لأن “المشاكل تأتي من هناك”، في إشارة إلى مصدر الإشكالات المرتبطة بموجات الهجرة نحو سبتة المحتلة. كما ربط طاياني ذلك بضرورة منع وصول المهاجرين غير النظاميين، ومن وصفهم ب “الإرهابيين المحتملين”، إلى أوروبا.
تصريحات استهدفت المغرب بدون حجج، اتهامات غير مسؤولة ومرفوضة وتتجاهل حقيقة الملف وتعقيداته، ولا تنسجم مع طبيعة العلاقات التي تجمع المملكة بعدد من شركائها الأوروبيين ومنها إيطاليا في تدبير ملف الهجرة الذي يتم في إطار مسؤولية مشتركة وتنسيق أمني وميداني مع الشركاء.
المغرب كان ولازال ملتزما بموقفه الرافض لاستغلال الهجرة غير النظامية كورقة ضغط، وبأن ما تشهده المنطقة من محاولات للعبور الجماعي يرتبط أساسا بنشاط شبكات وعصابات الاتجار بالبشر التي تستغل أوضاع المهاجرين وتدفع بهم نحو المخاطر، وهذا ما أكدته إسبانيا نفسها ومعها الاتحاد الأوروبي باستثناء حكومة إيطاليا.
وإذا كانت إيطاليا تشعر بخطر الهجرة الغير قانونية فذلك راجع الى سياستها الفاشلة، والمغرب المشهود له عالميا بالأمن والأمان ومحاربة الإرهاب، غير مسؤول عن مشاكل شمال إفريقيا ودول الساحل والصحراء وآسيا.
إن أوروبا وخاصة الدول ذات الإرث الإستعماري كفرنسا وإسبانيا وإيطاليا يتحملون جزء كبير مما تعاني منه إفريقيا وآسيا والمغرب خاصة في قضايا الهجرة والفقر والإبتزاز السياسي والإقتصادي ونهب الثروات واستقطاب الأدمغة والكفاءات العليا.
وفي تصريحات طاياني غير مستبعدة خلفية روائح الغاز في اقحام بلده في قضية تهم بلدين جارين بعيدين عنه لا تربطه بهما حدود لا برية لا بحرية. تطرح هذه التصريحات الغير ودية أكثر من علامة استفهام. الجميع يعرف ذاك البلد المصدر للغاز، وبأي ثمن، والكمية التي تحصل عليها ايطاليا، ومقابل ماذا.
بهذه الخرجة المنحازة و المنحرفة، هل السياسيون الحاكمون في روما يريدون ضرب عرض الحائط الشراكة المتميزة التي تجمعها مع الرباط والارتماء في أحضان جهات معادية للمغرب؟ طبعا المغرب ومغاربة ايطاليا لن يسكتوا.
وإذا كانت المقارنات التاريخية تتطلب التعامل بحذر. فإنه بالارتباط بالأعراف السياسية، يتبادر إلى الذهن مثال واحد لا يمكن المرور عليه مرور الكرام: إن الخطاب القومي المتغطرس هو الذي جعل رجل دولة إيطالي آخر، بينيطو موسوليني، مشهورا. فإذا كانت القصة مأساوية في عهده، فاليوم، ولحسن الحظ، ما زلنا في مرحلة المهزلة فقط، وإن لم تكن خالية من العواقب السلبية.
عندما تصل سخافة حكومة إلى هذا الحد والعمل على تجييش دائم للإعلام في قضايا بعيدة كل البعد عن قضايا إيطاليا، يخيم ظل من العار على البلاد بأكملها.
للتذكير فإن إيطاليا ليست حكومة ميلوني؛ هناك إيطاليا أخرى، إيطاليا مناهضة للفاشية، ننتمي نحن أيضا إليها، أما الجالية المغربية بإيطاليا فقد ساهمت ولا زالت تساهم بقوة في تنمية ايطاليا منذ أكثر من أربعين سنة وهذا لا ينكره إلا جاحد. ويشهد التاريخ، من جهة أخرى، أن الجنود المغاربة الاشاوس كانوا، خلال الحرب العالمية الثانية، في طليعة الكفاح المسلح في الخطوط الأمامية ضد الفاشية والنازية وتحرير إيطاليا وأوروبا منهما، ويجب أن نعلن عاليا ذلك بكل فخر.

* ياسين بلقاسم، منسق وطني لشبكة جمعيات الجالية المغربية بإيطاليا

تعليقات الزوار
جاري التحميل ...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) لتحسين تجربتك. سنفترض أنك توافق على ذلك، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا رغبت. قبولتفاصيل أكثر