حول بعض أمكنة تازة من خلال أرشيف المدينة

www.alhadattv.ma

* عبدالسلام انويكة

من أمكنة تازة الرمزية ما تحيلنا عليه الصورة المرفقة عن أرشيف مطلع القرن الماضي قبل أزيد من مائة سنة، ويتعلق الأمر هنا بضريح الولي الصالح الشهير ب”سيدي عزوز”، الذي بقدر ما يعد جزءا من أثاث محيط جامع المدينة الاعظم شمالا، بقدر ما يعد صلة وصل بينه وبين “قبة السوق” الشهير بها جنوبا.
وغير خاف عن مهتمين كون تازة من حواضر المغرب التي بأضرحة أولياء عدة، ذات مكانة خاصة في متخيل الأهالي الشعبي، من حيث كائن قداسة جامعة بين ما هو ديني واسطوري. وعليه ما لا يزال من تعبير سائد حول” شيلاه أرجال لبلاد” في اشارة لحرس رمزي من اثاث صوفي ترابي محلي. ولعل الحديث والمعلومة عن ولي تازة هذا، يقتضي اهمية الوقوف على أول اشارة أوردها عنه ابن الطيب الشرقي ضمن رحلة حجية له عبر تازة نهاية ثلاثينات القرن الثاني عشر الهجري (القرن 18الميلادي) قائلا،: ”.. فيها (تازة) من المساجد ما فيه غنية للراكع والساجد ومن المزارات..ما ينتفع بقصده .. وقد زرنا .. من مشاهدها .. سيدي محمد بن الجبش وسيدي عزوز وسيدي واضع، وسيدي أبي الفتوح وسيدي على الدرار وسيدي عبد الله..وفي خارجها الامام علي بن بري .. نفعنا الله تعالى بهم وأعاد علينا وعلى جميع المسلمين من بركاتهم”.
جدير بالذكر أن اسم“سيدي عزوز” لم يرتبط لا بقصيدة ولا سلطة معينة ولا جهاد ولا بإرث صوفي ولا بأتباع ومريدين ولا بنشاط روحي خاص طبع حياته ولا بمنظومة صوفية ولا بانتماء لطريقة ما أو شيخ ما ولا بشرح وحضرة وتلقين ولا حتى بكرامات ما، كما لم يرتبط اسمه ايضا لا بخلوة ولا بأبناء ما ولا بعلم ولا بقبيلة ولا زاوية ولا برَكة فضلا عن لا تاريخ ميلاد ولا تاريخ وفاة ولا وصية. اللهم ضريح بتازة وقبر بات مزارا منذ على الأقل بداية القرن الثامن عشر الميلادي، بحسب افادة “الشرقي”، واللهم ايضا ما يرتبط به في كائن وعي جمعي شعبي محلي، ومن ثمة ما هناك من ماض مستمر وتلاقح ثقافة بين سلف وخلف. وكما حال منظر اضرحة باقي ربوع البلاد عموما بين مدينة وبادية، من أهم ما يميز ضريح سيدي عزوز بتازة كما يظهر جليا من الصورة (1915)، قبة في الأعلى بشكلها الهندسي المغربي المعروف، خلفية مشهدها بقدر ما ترمز لقطيعة يحدثها مقدس مكان ضمن فضاء عام، بقدر ما يحصل عبر معتقد شعبي من تعبير وصلة عبر هذه القبة الظاهرة من بعيد، بين عالم أرض دنيوي وآخر مجرد سماوي مقدس. واذا كان أثاث تازة الصوفي المادي واللا مادي موضوع ذو شجون، فبختصر مفيد يسجل حول ولي تازة هذا، أن اصوله مجهولة مغمورة الى حين، وأنه رغم قدم ضريحه ضمن مشهد المدينة الروحي التاريخي، باستثناء الاشارة اليتيمة التي جاءت في مذكرات “ابن الطيب الشرقي” كما سبقت الاشارة، يبقى “سيدي عزوز” شخصا مجهولا لا تذكر عنه المصادر وكذا الدراسات والأبحاث أي شيء.
انما من خلال عنايتنا بزمن تازة وتراثها واعلامها منذ عقود، ومن خلال ما يلتقط من اشارات دراسات بحقيقة نسبية ذات صلة. نعتقد أن يكون”ولي تازة” هذا جاء قادما من غرب المغرب تحديدا من نواحي سلا، بعدما كان بعلاقة رفقة جماعة من اصحابه بأحد صلحاءها (سيدي غريب) والذين تميزوا بعلم وجهاد وقيم وعبادة وتصوف وصلاح، وأن ظروفا ما قد تكون دفعت “سيدي عزوز” لفراقه، وقد يكون اختار التوجه صوب شرق المغرب فنزل بتازة في زمن غير محدد قد يكون بداية القرن الثامن عشر الميلادي. وربما لِما احيط به كفقيه متمكن من عناية وترحيب استقر بها، وانه ربما كان بصدى تربية وتعليم ومكانة علم وامامة واخلاق وسلوك جعله موضع تقدير واحترام، وأنه بعد وفاته دفن بالمدينة، حيث لا يزال ضريحه بمكانة وهيبة رمزية ضمن الصوفي الثقافي المحلي، فضلا عن حرمة عتبة اكراما واحتراما، وعن تمثلات وتقاليد جمعت ولا تزال بين رمزية شموع وأبخرة وغطاء وهدية ورحاب احتفاء وموسم .

تعليقات الزوار
جاري التحميل ...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) لتحسين تجربتك. سنفترض أنك توافق على ذلك، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا رغبت. قبولتفاصيل أكثر