النقد الروائي والوسائطي من خلال الروائي حسن أوريد.. جديد الباحثة أمينة حجاجي

www.alhadattv.ma

صدر مؤخراً عن مؤسسة باحثون للدراسات، الأبحاث، النشر والاستراتيجيات الثقافية، في المغرب كتاب: “النقد الروائي والوسائطية: من النقد الأدبي إلى النقد الوسائطي” للباحثة والناقدة المغربية المقيمة في تونس أمينة حجاجي، وهو كتاب الأول من نوعه بالنظر إلى اشتغاله على العلاقة بين النقد الروائي والنقد الوسائطي، وقد تناولت رواية الموريسكي من خلال الكتابات النقدية الروائية وكيفية حضور المتن الروائي الأصل في البرامج التلفزية المخصصة لذلك.
لقد عرف الأدب تغيّرات وطفرات نوعية مطّردة واكبت تطور المناهج النّقدية وتزامنت مع الثّورة التكنولوجية فخضع لتصورات ومقاربات مختلفة، انتقلت من مجاله العامّ الطبيعي إلى مجال الوسائط المتعدّدة التي فرضت نفسها في كلّ المجالات.فلم يكن للناقد الأدبيّ بدّ من دراستها دراسة متكاملة في صيغتها الورقية، حتّى مع طغيان هذه الوسائط على حياة البشر وانصهارها فيه، إلّا أنّها لم تستطع الهيمنة على عالم الأدب وناقده بالضرورة. فهي أوّلا وآخرا ليست إلا وسائط تحاول خلق حالة من التواصل بين النص المكتوب والمتلقي الذي يكون عادة بحاجة لتقليص الوقت المخصص للقراءة، ونحن نتعامل مع نص الرواية مثلا نحظى بتجربة فريدة لا تتاح لمن يتعايش مع نصها ومع نقدها عبر الوسيط الإعلامي، بكل محدوديته وجموده واستبداده في الشكل والمضمون والوقت وغيرها من الأمور التي لا تفرض نفسها على تجربتنا كقراء للنص من الورق مباشرة.
إن هذا الكتاب– وإن كان منصبا في جانب منه على استكشاف أوجه النجاح والقصور في تجسيد رواية “الموريسكي” عبر برنامج تلفزيوني حواري – لم يكن ليؤدي الغرض منه ولا ليحقق غايته، ما لم يركز على تحليل الرواية وقراءتها قراءة نقدية قبل الغوص في مغامرة الاستكشاف تلك، وبقدر أكثر توسعا من عملية الاستكشاف ذاتها، فقد وجدت نفسي ملزمة بأن أعطي ذلك التحليل وتلك القراءة أهمية تجعل من الملاحقة الوسائطية الإعلامية للرواية عبر برنامج تلفزيوني، مسألة لها معنى ودلالة وقيمة، وكانت السيميائيات وهي التي تساعد على دراسة أنظمة التواصل وسيلتي في تحقيق ذلك.
عمدت الباحثة في هذا الكتاب على تحليل النموذج التواصلي للتلفزيون لمعرفة كيفية عمل ميكانيزماته وإوالياته، التي تمكن من التأثير في المتلقي، ولمعرفة ومدى قدرة البرنامج الثقافي تحديدا على بناء الوعي الجمعي، وكذا مدى قدرته عند عرض رواية “الموريسكي” ومناقشة كاتبها حسن أوريد خلال أقل من ربع ساعة من وقت البث التلفزيوني من تحقيق غاية ثقافية ونقدية وأدبية تنفع القارئ وتحقق لديه الارتواء والاكتفاء في وقت وجيز.
و حرصا منها على النأي بهذا الكتاب، وبهذه الدراسة عن بقية الدراسات الإعلامية، وكي تبقى محتفظة بطابعها كدراسة أدبية نقدية لأنها بالفعل كذلك، وإن كانت تلتقي مع بعض الحيثيات الإعلامية في سياق ما غدا يُعرف بإشهار الأدب… حرصت الباحثة على أن تكون مجمل الدراسة منصبة على تحليل رواية “الموريسكي” ومناقشتها نقديا بوصفها نصا إبداعيا، ثم الانتقال إلى الجزء الخاص باستكشاف مدى النجاح والقصور في تحويلها إلى مادة مسموعة ومرئية عبر الوسيط التلفزيوني، حتى أنها لم تجد بُدّا من التنقيب في ما ورائيات الكاتب وجوانياته للوقوف على مدى أمانته وشفافيته في نقل التاريخ عبر عمل روائيّ، إذ إن “الموريسكي ” نموذج مهم من الأدب التاريخيّ بشكل قريب من معايير السيرة الذاتية على اختلافها في بعض المعايير.
ليتضح في النهاية أن النقد المعهود الذي يعتمد على الكلمة المكتوبة على الورق، لا يتماثل في مجمله مع النقد التلفزيوني، الذي يفرض خصوصيات أخرى تختلف كثيرا عن النقد الأدبي الذي عهدناه، فالخصائص التي تميز النقد الأدبي الوسائطي من اعتماده على أنساق متعددة، وتضمنه لبلاغة حجاجية قائمة الذات، والتباس للجمالي فيه بالإيديولوحي، وعودة لسلطة المؤلف إلى تأويل النص، ووضع أبجديات النقد في هامش الحوار النقدي مع التركيز على الجانب التاريخي وظروف الكتابة على حساب النفاذ، إلى جماليات الإبداع الأدبي وحقيقته، كل هذه الخصائص أفقدته نزاهته وشفافيته بتعمده التأثير على ذهن المتلقي عبر مؤثرات لا علاقة لها بالنقد الأدبي من حيث جوهره وطبيعته.
كان الأدب ولا يزال حامل لواء تربية الذوق الجمالي وبلورة المعارف والأحاسيس إزاءه، ثم جاءت البرامج الثقافية التلفزيونية فزاوجت بين الآلة البشرية والابداع الأدبي. وعليه فقد تأثر النقد الأدبي بالخصائص التلفزيونية ما جعلنا أمام شكل سردي مختلف عن الأشكال السردية المعهودة..
ولذلك، حسب الباحثة أمينة حجاجي، أضحى لزاما على الأدب أن يتحرر من ” املاءات السوق الأدبية “كم اسماها بيير بوردو وأن يُنتَج الفنّ للفنّ، وهو ما لن يتأتى إلا بالتخلص من هاجس “الشهرة والمجد” والسعي نحو المال، كما أنه على المحافل الأدبية ألا تقتصر على بعض النخبة المختارة حسب طلب السوق، بل عليها فَتْح المجال أمام كل مبدع حقّ، بعد أن أصبح انتشار المنتوج الأدبي لا يعتمد على قابلية العمل للوصول إلى القارئ، بل على الشهرة والمجد حسب مفهوم موريس بلانشو. كما يتحتم على الدرس النقدي التكيف مع مستجدات التنكولوجيا والتفكير في أعادة النظر من جديد في النقد الوسائطي، خاصة أمام أعمال فكرية وثقافية وإبداعية كبيرة، ليس من السهل تقديمها للجمهور في برامج ثقافية وأدبية بسيطة.

تعليقات الزوار
جاري التحميل ...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) لتحسين تجربتك. سنفترض أنك توافق على ذلك، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا رغبت. قبولتفاصيل أكثر