هل يعتبر التشخيص التمريضي أملا أم معيقا لمهنة التمريض بالمغرب؟

www.alhadattv.ma

*محمد سويحي
مكون بالمعهد العالي للعلوم التمريضية وتقنيات الصحة بتازة

تعتبر التشخيصات التمريضية، أي التي يقوم بها الممرضون، في العالم بأسره أداة قيمة لبناء المعارف في العلوم التمريضية، حيث تمكن هاته التشخيصات من التعريف بفن العلاجات التمريضية الحالية، كما تمكن من وضع إطار مرجعي قيم يسمح بتطوير العلوم التمريضية وتسليط الضوء على خصوصيتها سواء بالنسبة للممرضين، لطلبة التمريض، لمقدمي العلاجات الآخرين، أو حتى بالنسبة لمتلقي العلاجات أيضا، كما أنها تعتبر عاملا من عوامل الاستقلالية المهنية وأحد الحلول المحتملة لأزمة الهوية التي يعاني منها الممرضون.
يمكن القيام بالتشخيص التمريضي المناسب من: أ) اختيار وتقييم التدخلات العلاجية التمريضية بناءً على النتائج المحصل عليها، ب) اعتماد لغة احترافية تقنية تتيح وصف المريض بدقة علمية عوض اللجوء إلى استخدام عبارات عامية ك”هذا المريض ثقيل” أو “هذا المريض ليس على ما يرام “، ت) تواصل أفضل داخل الفريق العلاجي من خلال استخدام لغة مشتركة، ث) إمكانية تدوين وتتبع الرعاية، ولا سيما تلك المتعلقة خصيصا بالدور العلاجي للممرض.
لكن وبالرغم من أن تنزيل مفهوم التشخيص التمريضي كانت له فوائد حقيقية في صالح مهنة التمريض كاكتساب المزيد من الاستقلالية والاعتراف وجودة الرعاية المقدمة للأشخاص وكذا تعزيز التفكير والمنطق التمريضي السريري، فإنه من المدهش أن نلاحظ الفشل، في فرنسا مثلا، في تطبيق العلاجات التمريضية على أرض الواقع، باعتبارها مفهوما أنجلو ساكسونيا صعب التكييف مع الثقافة والمعرفة التمريضية الفرنسية.
بل حتى في الولايات المتحدة، ماتزال التشخيصات التمريضية تواجه تحديات حقيقية أمام تطبيقها بشكل مجد ومعقلن، في هذا الصدد، تشرح ليندا جول كاربينيتو، مستشارة التشخيص التمريضي الأمريكية، والمؤلفة والمحاضرة الجامعية، أنه “من الواضح أن التشخيص التمريضي كان له أثر إيجابي على مهنة التمريض”. “ومع ذلك، فإن تطبيقه في ممارسة التمريض أظهر أن هناك بعض المشكلات “, فبالرغم من كون المراجع النظرية المتعلق بالتشخيصات التمريضية عرفت تضخما بمقدار 100 ضعف منذ عام 1973، إلا أن الممرضين ما زالوا يجدون صعوبة في تطبيقها بفعالية وسلاسة وتمثيلية على أرض الواقع. حيث أن “العديد من القيود تجعل استخدام التشخيص التمريضي غير فعال، خاصة في بيئة عمل متعددة التخصصات بشكل متزايد”.
أما في بلادنا، وفي سياق مواز، فإن تحول التمريض لتخصص مستقل في حد ذاته والزيادة في الاعتراف الاجتماعي والسياسي بدور مهنة التمريض، يدفع بالممرضين والممرضات إلى الوعي بكون مهنتهم مثل أي مهنة أخرى، مما يجعل من الممكن ” إثراء العلوم الصحية التمريضية بمعارف وممارسات محددة ومساعدة هؤلاء الممرضين والممرضات على التعرف مجددا على الهدف الأسمى والأصلي لمهامهم التمريضية وكذا تحرير أنفسهم من الطاعة والخضوع والشفقة ”.
ويقترن هذا الوعي بالحاجة الملحة إلى إعداد مهنيي التمريض لتلبية المتطلبات الصحية المتزايدة باستمرار والموازية لتطور العديد من المعايير السكانية في نفس الوقت، كالديموغرافية (زيادة أمد الحياة، وشيخوخة السكان …)، والطبية (ارتفاع معدل التقدم التقني والتقدم العلمي في مجال الصحة، وظهور الأمراض المزمنة، …..) والمجتمعية (العولمة، تغيير أنماط الحياة …).
تماشيا مع ما سبق، بذلت وزارة الصحة المغربية العديد من الجهود الاستراتيجية لتطوير مهنة التمريض، ونخص بالذكر إصلاح منظومة التكوين المهني للممرضين (نظام إجازة، ماستر، دكتوراه) في عام 2013 وظهور القانون 13/43 المتعلق بممارسة مهنة التمريض الذي يقدم مفهوم العلاجات التمريضية من خلال ” اعتبار وظيفة التمريض لا تقتصر فقط على الرعاية والعلاجات التي تتم بموجب وصفة طبية، ولكن أيضًا الرعاية والعلاجات التمريضية التي تنجز من طرف الممرض في إطار دوره المستقل “,مما يبشر بإعادة الاعتبار لمهام التمريض التي غالبًا ما كانت تنجز دون أن تعيرها أية جهة الاهتمام والاعتراف اللازم.
بالتوازي مع هذه الجهود وفيما يتعلق بتعزيز الدور الذاتي أو المستقل للممرض، يتم تكوين الطلبة الممرضين في مجال التشخيصات التمريضية على مستوى المعاهد العليا للمهن التمريضية وتقنيات الصحة، وذلك منذ بضع سنوات، فكما هو محدد في الدليل البيداغوجي لهاته المعهد في نسخة 2015، فإن الهدف البيداغوجي الأول لفئة العلاجات التمريضية هو “تقييم الوضع السريري وطرح تشخيص في مجال الرعاية والعلاجات التمريضية”، مما يشكل اعترافًا صريحًا بالدور التمريضي المستقل من هذا الجانب. ومع ذلك، فإن تحقيق مثل هذا الهدف يتعارض دائمًا مع واقع عمل الممرض المغربي، هذا الواقع الذي يتميز بتعقيدات وعراقيل مرتبطة بالنظام الصحي بشكل خاص وبالنظام المهني والبيئة الاجتماعية بشكل أوسع.
وعلى سبيل الذكر لا الحصر، تتجلى العراقيل سالفة الذكر أساسا في أزمة الهوية التمريضية، من قبيل غياب هيئة وطنية للممرضين وتقنيي الصحة وغياب مصنف المهن والكفاءات الخاص بهم، مما يجعل الممرض الحالي غير قادر على تحديد المهام التي يجب عليه القيام بها وكذا الحالات التي يمكنه أن يتدخل فيها دون أن يكون ذلك مضرًا به: فالإطار القانوني المرجعي الحالي للمهنة غير كافٍ وغير منصف للممرض ولا يكفي اصلاحه فقط بل ويجب أيضًا مراجعته وتكييفه بانتظام حتى يتمكن من مواكبة مستجدات مهنة التمريض على الصعيد الدولي.
أيضا، وفي سياق العراقيل دائما، تجدر الإشارة للاستمرار الدائم لوجود منشآت صحية كالمستوصفات القروية أو حالات تدخل علاجية تجبر الممرض المغربي على العمل بمفرده، دون مساعدة طبية، مما يضطره إلى مزاولة التشخيص الطبي وتقديم العلاجات الطبية بشكل غير قانوني وذلك لمواجهة المتطلبات الصحية المتزايدة لمواطنين لا يكترثون غالبا بمن يقدم العلاج وهل هو محمي قانونيا ما داموا يستفيدون منه.
وإن كان الممرضون مجبرين أحيانا على القيام بالتشخيصات الطبية، فإننا بالمقابل مازلنا في المغرب لا نعترف بعد بممارسة التشخيص التمريضي كمهارة مهنية قانونية، ولا نوفر حتى الآن الموارد اللازمة لتطبيقها في مستشفياتنا أو منشاتنا الصحية، وبالتالي، يقتصر تطبيق التشخيص التمريضي على اجتهادات ومبادرات فردية غير مؤطرة لا منهجيا ولا قانونيا مما يزيد من تضخيم أزمة الهوية التي يعاني منها الممرض المغربي.
ختاما وفي مواجهة هذا الموقف المثير للجدل، لا يمكننا الجزم بأن التشخيص التمريضي معيق لمهنة التمريض بالمغرب، كما لا يمكن اعتباره كأمل وحل نهائي لأزمة الهوية التي يمر بها الممرضون المغاربة. وبالمقابل، يجب علينا التروي والتفكير في الجدوى من تجربة تطبيق التشخيص التمريضي في المغرب، ثم تكثيف الاستثمار في البحث العلمي في هذا المجال لفهم إشكاليته بشكل أفضل، قبل أن نضع، أخيرًا، تقييمًا قاطعًا سيؤدي إما إلى الاعتماد الرسمي للتشخيص التمريضي في السياق العلاجي المباشر للممرض المغربي، أو إلى التخلي عنه بسبب عدم قابليته للتطبيق في بلادنا.

تعليقات الزوار
جاري التحميل ...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) لتحسين تجربتك. سنفترض أنك توافق على ذلك، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا رغبت. قبولتفاصيل أكثر