www.alhadattv.ma
في 27 يوليوز 2026، وجهت الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة “ترانسبارنسي المغرب” رسالة إلى الرؤساء والأمناء العامين لاثني عشر حزبا ممثلا في البرلمان. لم تكن الرسالة استطلاعا للآراء، بل طلبا لمواقف مكتوبة من ثلاثة ملفات محددة، مع أجل زمني للتنفيذ. وبعد خمسين يوما، وفي بيان صادر عن مكتبها التنفيذي بالرباط يوم 16 شتنبر 2026، أعلنت الجمعية النتيجة: أربعة أجوبة، وثمانية أحزاب لم ترد.
الأحزاب التي تفاعلت هي الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والتقدم والاشتراكية، وفيدرالية اليسار الديمقراطي، والحزب الاشتراكي الموحد. أما التي لم تجب فهي التجمع الوطني للأحرار، والأصالة والمعاصرة، والاستقلال، والعدالة والتنمية، والحركة الشعبية، والحركة الديمقراطية الاجتماعية الشعبية، والاتحاد الدستوري، وجبهة القوى الديمقراطية. وأشادت الجمعية بالأحزاب الأربعة التي عبرت عن مواقفها، واعتبرت صمت الباقي بخصوص قضايا بهذه الأهمية أمرا مؤسفا.
الأسئلة الثلاثة لم تكن عامة. أولها يخص المقتضيات الجديدة للمادتين 3 و7 من القانون رقم 03.23 المتعلق بالمسطرة الجنائية، وهي مقتضيات ترى الجمعية أنها تحد من صلاحيات النيابة العامة في تحريك المتابعات المتعلقة بقضايا المال العام، وتجرد المجتمع المدني من آليات مهمة للمساهمة في محاربة الفساد. وثانيها يتعلق بتجريم الإثراء غير المشروع استنادا إلى التصريح الإجباري بالممتلكات. وثالثها بإقرار إطار قانوني شامل لتضارب المصالح. وتنظر الجمعية إلى هذه الملفات باعتبارها حلقات متصلة في شبكة واحدة للنزاهة، لا نصوصا تشريعية معزولة.
المفارقة أن الفساد حاضر بقوة في الخطاب الانتخابي. فقراءة أولية أنجزتها الجمعية نفسها للبرامج الانتخابية خلصت إلى أن قضايا تعزيز النزاهة ومحاربة الرشوة والفساد وتضارب المصالح باتت تحتل موقعا مركزيا في الخطاب السياسي والالتزامات الموجهة إلى الناخبين. ورصدت أربعة أبعاد مشتركة تلتقي حولها غالبية البرامج، من بينها التأطير التشريعي لتجريم تضارب المصالح والإثراء غير المشروع، وتقوية هيئات الحكامة والرقابة، وإحداث قضاء متخصص في جرائم المال العام.
الفارق إذن ليس بين حزب يذكر الفساد وحزب يتجاهله، بل بين إدراج التزام عام في برنامج وبين التوقيع على تعهد مقيد بنص وبأجل. الأول قابل للتأويل بعد الاقتراع، والثاني قابل للتوثيق والمساءلة.
ولم تصدر عن الأحزاب الثماني، إلى حدود إعداد هذا المقال، توضيحات علنية تفسر عدم الرد، سواء تعلق الأمر بتحفظ على منهجية المبادرة أو بضغط الحملة الانتخابية. وسيظل هذا الغياب معطى مسجلا، يستطيع الناخب قراءته كما يشاء، وتستطيع الجمعيات استدعاءه في ولاية تشريعية مقبلة.

