ابن ارشيدة يكتب : فلسطين بين مطرقة العدوان و سندان الخدلان

www.alhadattv.ma

* محمد الصديق اليعقوبي

العدوان الإسرائيلي المستمر على قطاع غزة كشف عن عورات دولية كثيرة، أبرزها زيف ونفاق الولايات المتحدة وبعض دول أوروبا ومن يسير في فلكها من دول العرب فيما يتعلق بحقوق الإنسان.
معظم هؤلاء يصدعون أدمغتنا، ليل نهار عن ضرورة احترام حقوق الإنسان، حتى ننال احترامهم ورضاهم.
كلامي هذا لا يعني أن حقوق الإنسان في المنطقة العربية في أفضل أحوالها، وأن الغرب يفتري علينا.
بل هي في أسوأ أحوالها، والإنتهاكات تتم بصورة ممنهجة منذ عقود وحتى الآن.
لكن من الواضح أن الغرب يستغل هذه الإنتهاكات لتصبح سيفا مسلطا علينا لتحقيق أهداف أخرى.
الإعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الفلسطينيين عامة وفي القطاع فضحت وتفضح الولايات المتحدة والغرب عموما، فيما يتعلق بزعمهم أنهم يدافعون عن حقوق الإنسان، باعتبارها مبدأ إنسانيا شاملا لا يتجزأ، ولا يتوقف على دين وطائفة وعرق ولون وبلد .
نفس الأمر بالنسبة للعديد من منظمات حقوق”عقوق” الإنسان الدولية. هي دائما تصدر بيانات شجب وإدانة للعديد من ممارسات تنتهك حقوق الإنسان في العالم الثالث وروسيا والصين وإيران، وأي دولة لا تدور فى فلك الغرب. وهذه المنظمات تملك أحيانا الحق في هذه الإنتقادات، لكنها تقف عاجزة حينما يتعلق الأمر بانتهاكات إسرائيل، أو حتى الولايات المتحدة فقط تكتفي أحيانا ببيانات باهتة جدا.
انتهاكات حقوق الإنسان في العالم العربي معروفة وموثقة، وهي موجهة في الأساس ضد بعض مواطنيها. لكنها لا تقاس إطلاقا بما تفعله إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني أو السوري أو اللبناني، طبقا للقانون الدولي إسرائيل تحتل الضفة الغربية والجولان السوري ومزارع شبعا اللبنانية، وتحاصر قطاع غزة، وترفض الإنصياع لكل قرارات الشرعية الدولية، بل وتواصل تهويد الضفة، والجولان وتشن عدوانا مستمرا ضد غزة، وأهل القدس وتحاول هدم المسجد الأقصى.
مجلس الأمن الدولي أصدر عشرات القرارات الملزمة لإسرائيل بإعادة الأرض المحتلة، لكن منطق الغاب والقوة الإسرائيلية المدعومة أمريكيا وأوروبيا يمنع التنفيذ.
ما تفعله إسرائيل في فلسطين والمنطقة أكبر انتهاك منظم وممنهج ضد حقوق الإنسان في أبسط تعريفاتها.
ولا نعرف كيف تدعي إدارة بايدن أنها وضعت ملف حقوق الإنسان في مقدمة أولوياتها، ثم ترفض حتى مجرد إصدار مجلس الأمن لبيان يدعو لوقف العدوان وقتل المدنيين، وتصر على المساواة بين الجلاد والضحية !.
هذا الموقف الأمريكي المزدوج كشف بوضوح أنه لا فرق جوهريا بين بايدن الديمقراطي وترامب الجمهوري العنصري إلا في الدرجة، فكل الإدارات الأمريكية تعترض على إصدار أي انتقاد لإسرائيل، بل وتهيئ لها كل السبل ليحقق العدوان كامل أهدافه، حتى لو كان الثمن سقوط آلاف الضحايا المدنيين.
وكما قرأت لدبلوماسي مصري مرموق، فإن تحقيق القاضي الجنوب إفريقي الشهير ريتشارد جولدستون في عدوان إسرائيل على غزة عام 2014، والذي جاء في 575 صفحة خلص إلى أن الجيش الإسرائيلي ارتكب جرائم حرب ضد الإنسانية، وعند عرض التقرير على مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، جاء التصويت صادما. أمريكا وإيطاليا وهولندا وسلوفاكيا والمجر وأوكروانيا صوتوا ضد التقرير، وبلجيكا والنرويج واليابان وكوريا الجنوبية وسلوفينيا امتنعوا عن التصويت وبريطانيا وفرنسا تغيبتا عن الإجتماع.
والملاحظ أن غالبية بلدان شرق أوروبا تتماهى تماما مع العنصرية والعدوانية الإسرائيلية، وتنكر على الفلسطينيين حتى مجرد الشكوى، وهو أمر يحتاج إلى دراسة وتمعن.
لكن للموضوعية فهناك دول أوروبية أخرى لها مواقف محترمة جدا تضامنا مع الشعب الفلسطيني، وكذلك مؤسسات غير حكومية أوروبية.
مرة أخرى هذه الكلمات ليست دعوة للتغاضي عن انتهاكات حقوق الإنسان في البلدان العربية والإسلامية، ولكنها إشارة مهمة لنتأكد أن غالبية دول الغرب ــ وليس كلها ــ شديدة النفاق والرياء، حينما يتعلق الأمر بانتهاكات إسرائيل وعدوانها المستمر ضد الشعب الفلسطيني، وبالتالي فحينما تتحدث أمريكا وبلدان أوروبية عن حقوق الإنسان في بلداننا، علينا أن نكون أكثر يقظة، وأن الأمر لا يتعلق باقتناعم ودفاعهم عن حقوق الإنسان، بل لتحقيق أهداف ومصالح سياسية محددة، والدليل على ذلك أنهم ما يزالون يدعمون العديد من الأنظمة شديدة القمعية في العديد من بلدان العالم!.
ختاما يمكننا أن نشق طريقنا، كأشخاص بضمائر حية، بين استجاباتنا للكوارث ومسؤوليتنا، لأن إضفاء الشرعية على غزو الدول ذات السيادة دوليًا وإجازة الإستعمار والقمع المستمرين للآخرين، والتضليل الأخلاقي الذي يكتنف الأجندة المخادعة التي وضعتها النخب السياسية ووسائل الإعلام الغربية سمح وسيسمح لهم بإخفاء عنصريتهم الخاصة وإفلاتهم من العقاب و توفير الحصانة لإسرائيل وقمعها للفلسطينيين .

تعليقات الزوار
جاري التحميل ...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) لتحسين تجربتك. سنفترض أنك توافق على ذلك، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا رغبت. قبولتفاصيل أكثر