تكوينُ الأطرِالمستمرْ ..أي تحيينٍ وتأهيلْ..

www.alhadattv.ma

عبد السلام انويكًة
بقوة نص الميثاق الوطني للتربية والتكوين،للتربويين حق الاستفادة من تكوين وفرص تكوين مستمررافعلأدائهم، وقيامهم بواجبهم على أحسن وجهبما يفيد في مواكبة مستجدات معرفية ومفاهيمية باتت بتجدد وتغير سريع.وبقدرتباين التكوين والتكوين المستمر من حيث المفهوم والدلالة، بقدر ما معاً بنوع من التداخل الوظيفي.وإذا كان التكوين هو كل عمل ومخطط بتنظيم وأهداف ومكتسبات ما، علماً أن أيمكتسب معرفي كان أم مهاري هو بحاجة لتحيين، فإن التكوين المستمر هو ما يروم تحقيق هذه الحاجة لرفع كفايات فاعلين تربويين على تباين مهامهمومواقعهم في منظومة التربية والتكوينلبلوغ نتائج بمواصفات ما. ولعلكل أنشطة نظرية أم عملية وفق أهداف وخيارات ما، تروم تجاوز ثغرات تحد من فعلٍ وتفاعلٍجيدٍ بعيداً عن أية قطيعة بين سابق ولاحق من المكتسب.
ويبقى التكوين والتكوين المستمر عموماً هو جميع ما من شأنه من الآليات المساعدة والمعتمدة، تنمية ما هو معرفي مهاري تقتضيه مهمة ومهنة ما، وتمكين المستفيدين من معطيات دقيقة وكفايات تسمح لهم بإنجازٍوفق المنشود من تدبير وتجويد ونتائج وغيرها.وبما أن الذي لا يواكب من التربويينكيفما كان موقعهم لا يتقدم بل يتراجع ويتقهقر، فالحاجة لتكوين مستمر هيضرورة جوهرية لتحقيقتجاوب واغناء وتطعيم، الأمر الذييهم كافة من همبتماس مع الفعلالتربويوفي جميع حلقاتالمنظومة،وأي قفز على حلقة من حلقات هذه الأخيرة قد يجعل من فعل التكوين المستمر جهداً بدونأية معنى.
وتكوين الفاعلين التربويين وتمكينهم من آليات قيادة وتدبير وإطلاعهم على جديد مهماتهم وتدخلاتهم كيفما كان موقعها ونوعها،يرتبضمن ما هو هام وأساسي لدى من يحيط منظومة التربية بما ينبغي من تتبع وتطوير ومواكبة، وكل تفاعل في غيابتكوين وتأهيل ناجع بقدر ما هو غيرجاد ولا هادف، بقدرما يكون بنتائجآثار سلبية على أكثر من وجهة. وعليه، فالتكوين بجميع تجلياته هو بحق قاعدة أساس لبلورة سبل صنع واقع تربوي يتوجه للمستقبل. ومن هنا أهمية إعطاء مدخلات ومخرجات العملية ما ينبغي من طبيعة مواصفات محددة وبحث علمي وتحيين ملفاتتكوين، وايلاء المستمرمنه لكافة حلقات المنظومة والفاعلين ما ينبغي مع وضع سيناريوهات لتجاوز كل إكراه مستجد مؤثر على تحقيق تجويد.
والجودة والتجويد مفهوم يقوم على أمرين هامين عام وخاص، فالأول منهما يرتبط بدرجة التحكم في سيرورة نشاط وانتاجية ما، وهنا الجودة هي بعلاقة مع ما يبذله الانسان بمحض فطرته ورغبته في الاكتمال. أما الثاني أي الخاص فهو ما نجم عن فعل حداثة بعد تحولمسألة الجودة الى مؤشر يحدد قيمة مجتمع ما، وعليه فقد تم تشكيل آليات تفعيل هذه الجودة داخل مجال انتاج ومنها ظهر وتبلور مفهوم الكفاية، وعلى هذا الأساس فتجليات الجودة هي ذات علاقة بالكفاية.والانتقال لِما هو نوعي في أي مجال بما في ذلك شأن التربية والتكوين جاء نتاج تغيرات ونتائج إن لم نقل جاء نتاج أزمة، وقدفرضته حاجة تحول للعمل في اطار تنافسي ضمن سياق تحكمه قيم تنافس، ولن يقوم بدون رأسمال بشري ولعله عمق قضية مدرسة وتكوين وجودة وبحث.
ويمكن الحديث عن علاقة جدل بين ما هو تكوين وتجويد وعن سؤال من يتأسس على الآخر الأول أم الثاني، ثم من هو الأقربللتجويد نُظم تكوين أم محيط عام يتوجه اليه فعل التكوين. وأية مسؤولية في معايير انتقاء متكونين متوجهين لمجال تربية وتعليم ولمهام أخرى ذات صلة بالمدرسة، في إعادة انتاج نفس العلاقات بعيداً عما هو منشود من التفاعل والفعل المبدع في المجال.وقدجاءت عبارة “الجودة” بتواتر في نص الميثاق الوطني للتربية والتكوين، ولعلها ذات صلة بجملة خدمات هي في حاجة لتغيير باتجاه ما هو أحسن، في أفق جعل المدرسة بوظيفة قادرة على تحقيق جملة أهداف ذات طبيعة اجتماعية. وبقدر ما “الجودة” مفهوم بأصول اقتصادية بالدرجة الأولى بقدر ما تجعل من المدرسةمقاولة هيبخدمات وعلاقة بمستهلك وبأساليب تدبير دوماً في حاجة لتطوير. ولعل جودة عمليتي التكوين والتكوين المستمر هي مسألة خريجين ومستفيدين وقضية حركية وفعل غير ثابت، مع ما لذلك من نسبية بحسب الزمان والمكان. ليبقى تجديد المدرسة أمر رهين بجودة الفاعلين مع ما هناك أيضاً من درجة إخلاص والتزام، وأن جودة تفاعلهم تقوم على جودة تكوينهم الأساس والمستمر وعلى ما يحصل من سعي بهم نحو المهننة.
وللاشارةفتجويد التكوين والتكوين المستمريقتضي العناية بجملة جوانب منها تعميق معارف التخصصات،وبخاصة ما يتعلق بمفاهيم كبرى وما يطرأ عليها باستمرار من متغيرات واضافات، كذا ما يهم ما سيتناولهالفاعل التربويمن محاور في عمله بحسب الأسلاك، اضافة لِما هو تربية وطرائق وكل ما من شأنه تسهيل اندماجه في المهمة واكسابه كفايات مهنية من تخطيط وتدبير وتقويم وبحث..ولتجويد التكوين وبلوغ جودة متخرجين نعتقد أنه من المهم تحكم مراكز الاستقبال في معايير ولوجها، وهي كثيرة تبدأ من رغبة حقيقية وقناعة بالمهنة، ولمسألة الولوج للتكوين مسؤولية كبيرة ومؤثرة في مخرجاته وطبيعة جودته.
وتطرح مسألة التجويد والمهننة ورهان التكوين بمراكز التكوين عموماً طبيعة المخرجات ووضع المتخرجين،هل هم مختصين في فعل تعليم أم في شؤون تربية وتعليم. وهل أنشطة التكوين كانت بهدف كفاية في الحديث عن التعليم وقضاياه، أم بهدف فعل وفق ما يتقاطع في العملية من إجراءات وتوليف وتشكيل لمواقف وبلورةٍ وبناءٍ لِما هو نفسي ووجداني واجتماعي.ومن هنا أهمية الوضعيات المهنية كحلقة أساس في تفاعل المتدربين،واكتسابهم لخبرات وملكات وانفتاحهم على تجريب وجديد من وسائل ودعامات. وهناك مفارقة في مجال التكوين لا زالت قائمة أو مراوحة بين ما هو نظري ووضعيات مهنية، كحلقة وصل بين ما يقدم من تكوين أساس وبين أجرأة خلال التكوين.
وبقدرسؤال درجة علاقة المكوِّنين بالمصاحبين مع تباين مهامهما، بقدر ما يصعب بلوغ نتائج تجويد وتغيير في غياب ما هو ناظم بين الطرفان. فإذا كان رهان التجويد يتم عبر التكوين، فإن من يتم انتدابهملعملية تنفيذه وأجرأتهعبر وضعيات مهنية، غالباً ما يستحضرون ذاتهم وتجاربهم وقناعاتهم وتقويمهم وتقديرهم بحسب تكوينهم في علاقة بزمن ما وخيار ما. وهنا سؤال ما هو اجرائي في عمل التكوين وسؤال اشكالية انتقاء مصاحبين، مواكبين مطلعين على برامج ومكونات ومستجدات تكوين. ولعل ما يسجل في هذا الباب كون عملية تقويمالوضعيات المهنية كثيراً ما تكون مقننة وموجهة لرصد أخطاء وثغرات، وغالباً ما يسقط المقوم صورته وذاته على متدرب رغبةً منه في رؤية نموذجه الخاص مطبقاً، الأمر الذي ينتج عنه تقيد المتدرب بمعيار ما وضع له. والذي يتبين منه أن المصاحبين المطبقين وحدهم من طاقم التكوين من تتاح لهم فرصة ملاحظة قدرات المتدربين المهنية وتوجيهها، وبالتالي فهُم من يقدم لهم نموذج “المدرس الجيد”أو”الاداري الجيد” أو”أو”الموجه الجيد”أو …، بحسب تقديرهم ورؤيتهم.وهنا إشكال أساسِ استنادِ المصاحب والمطبق معغيره من معنيين بحسب الأسلاك،وطبيعة ما هو تمثلاتٍ وحمولاتٍ معرفية ومفاهيميةٍ ومهارات كثيراً ما تكون لا تزال قائمة عن تكوين ما في فترة ما وفق نموذج ما.
ويبقى أن هدف أية وضعية مهنية هي إكساب متدربين مهارات محددة بدقة يتم التفاعل معها عملياً وميدانياً، وعليه فإن كل وضعية مهنية ينبغي أن تتأسس على المنشود إتقانه من مهارات وليس اكتساب ما سيخدم المتعلمين أو غيرهم من المعنيين بعد انتهاء العملية وعندما يتم تحمل المسؤولية. ومن هنا سؤال ما يرتبط بالوضعيات المهنية الممهننة من مضامين مؤسسة ثابتة كانت أم متغيرة، وما يستند عليه المتدرب من مكتسبمعرفي عندتكوينه. وسواء ما هو نظريأو اجرائيفي عمل التكوين فهما معاً بضرورةتكملةالأول للثاني والعكس صحيح، وذلك من أجل تجويد عملياته وبلوغ ما هو منشود من نتائج،ففعل التكوين لا يمكن أن يرسخ مكتسبات مكوَّنين إلا عبر وضعيات مهنية وتمرين كأنشطة ممهننة، إنما عبر سير بتدرج وتمفصل وتقاسم لأدوار بين معنيين في البناء، يجمع بين ما هو ملاحظة عفوية ثم موجهة نسقية،ثم بين تحمل جزئي لمهمة منوطةقبل بلوغ حلقة تحملٍكاملٍ للمهمةِ والمسؤولية.

عبد السلام انويكًة
باحث بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس مكناس

تعليقات الزوار
جاري التحميل ...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) لتحسين تجربتك. سنفترض أنك توافق على ذلك، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا رغبت. قبولتفاصيل أكثر