www.alhadattv.ma
فتحت المصالح المختصة، تحت إشراف النيابة العامة، بحثا في واقعة مقتل شخص بمحيط منابع بوزملان بجماعة آيت سغروشن، دائرة تاهلة بإقليم تازة، فجر يوم الخميس 6 غشت 2026.
وتفيد المعطيات المتداولة محليا بأن الوفاة جاءت على خلفية اعتداء تعرض له الهالك بالموقع. ويقتضي التحفظ المهني، في انتظار بلاغ رسمي، عدم استباق نتائج البحث ولا تكييف الأفعال، احتراما لقرينة البراءة المكفولة دستوريا.
غير أن ما يتجاوز حدود البحث الجنائي، ويستدعي نقاشا عموميا مستقلا، هو السياق الذي وقعت فيه الواقعة: فضاء طبيعي يخضع لنظام قانوني صارم، يُستغل خارج أي إطار منذ سنوات طويلة، ولم تنقطع بشأنه التنبيهات الجمعوية والإعلامية منذ قرابة عقد، بل بلغت حدّ حلول لجنة رسمية أصدرت توصيات لم تُفعَّل.
فضاء له نظام قانوني… ولا أحد يطبقه
المنابع المائية ليست فضاءً مباحاً. فالقانون 36.15 المتعلق بالماء يُدرج الموارد المائية ضمن الأملاك العامة التي لا تقبل التفويت ولا الحجز ولا التقادم، ويُخضع كل استعمال أو استغلال للملك العمومي المائي لترخيص تسلمه وكالة الحوض المائي، ويُناط بجهاز شرطة المياه أمر مراقبته وحمايته.
والواقع الميداني يقع على الطرف النقيض من هذا الإطار: أكواخ خفيفة من القصب تُنصب موسميا على ضفاف الواد وتُكترى للزوار، بما يشمل الكراء الليلي، دون ما يُعرف عنه ترخيص بالاحتلال، ولا تصنيف في خانة الإيواء السياحي، ولا سجل للنزلاء، ولا مراقبة.
ولا يقف الأمر عند الاحتلال. فقد وثّقت تقارير صحفية تدخلات مادية في الملك المائي نفسه: طمر أجزاء من المنابع والأراضي الرطبة بالأكياس البلاستيكية ومواد البناء كالإسمنت، إلى جانب تصريف مياه عادمة في الواد.
سلسلة تنبيهات ممتدة عبر قرابة عقد:
النقطة التي تُميّز هذا الملف أن الوضعية لم تكن مجهولة لدى أي جهة، وأن التنبيه إليها لم يبدأ بالأمس.
منذ 2017 ـ أصدرت جمعية محلية بياناً عبّرت فيه عن قلقها من التلوث الذي تتعرض له المنابع. وفي سنة 2018، تناولت الصحافة الوطنية الملف مجدداً، مسجلة أن المنابع تشكل المصدر الأساس لتزويد الساكنة بالماء الشروب، مع تسجيل تطور الفضاء في غياب شبه تام للمسؤولين المحليين. وتوالت التغطيات في السنوات اللاحقة.
صيف 2022 ـ حلّت بالموقع لجنة مختلطة، كانت الجماعة الترابية طرفاً فيها، لمعاينة الأضرار اللاحقة بالمنابع، وخلصت إلى توصيات.
26 ماي 2023 ـ وجّه أعضاء من المجلس الجماعي لآيت سغروشن مراسلة إلى عامل إقليم تازة، سجّلوا فيها أن توصيات تلك اللجنة ظلت حبراً على ورق. ونبّهت المراسلة إلى الطمر الذي تتعرض له المنابع بسبب إنشاء أكواخ للكراء، في مخالفة لمقتضيات القانون 36.15، مع تسجيل نقص حاد في صبيب المياه بسبب توالي الطمر، وإلى إشكال المياه العادمة التي تصب بحمولتها مباشرة في مياه المنابع.
يونيو 2025 ـ تناولت الصحافة الوطنية شكايات مواطنين من الاستغلال العشوائي للموقع، ومن الطمر بالبلاستيك والإسمنت، ومن ممارسات ليلية بالعشش المنصوبة. كما وجّه سكان الجماعة رسالة إلى رئيس المجلس الجماعي يطالبون بخطة عاجلة لحماية المنابع وبالإسراع في إنجاز محطة تصفية المياه العادمة.
ومع مطلع كل صيف ـ يجدد فاعلون مدنيون من أبناء المنطقة التنبيه إلى الوضعية نفسها، مسجلين ما يصفونه بتنامي تعاطي المخدرات والمشروبات الكحولية بالفضاء خلال الموسم الصيفي، وما يترتب عنه من ارتفاع في وتيرة العراكات والمشاجرات التي باتت شبه يومية، وتتحول أحياناً إلى استعمال أدوات حادة. وهي وضعية يشتكي منها سكان المنطقة ومرتادو الفضاء على السواء، إذ يجد الزائر نفسه في مكان بلا مراقبة ولا تأمين، ويجد الساكن المجاور نفسه أمام اضطراب متكرر لسكينته.
قرابة عقد من التنبيهات الجمعوية والإعلامية. أربع سنوات بين معاينة اللجنة المختلطة والواقعة. ثلاث سنوات بين إنذار عامل الإقليم والواقعة.
وبذلك تكون الوضعية قد مرّت، خلال قرابة عقد، بكل المحطات التي يُفترض أن تُنتج تدخلاً: بيانات جمعوية، وتغطيات صحفية متتالية، ومعاينة رسمية بلجنة مختلطة، ومراسلة مكتوبة إلى السلطة الإقليمية، ورسائل من السكان إلى رئيس المجلس الجماعي. ومع ذلك، ظل الفضاء على حاله، بل عرف مزيداً من التوسع، إلى أن وقعت الواقعة، موضوع البحث، فجر الخميس 6 غشت 2026.
اختصاصات متعددة… ومتدخل واحد غائب:
تتقاطع على الموقع اختصاصات عدة جهات:
أولا: وكالة الحوض المائي لسبو ، المكلفة بحماية الملك العمومي المائي وتحرير محاضر المخالفات والمطالبة بالإرجاع إلى الحالة الأصلية؛
ثانيا: رئيس المجلس الجماعي، الذي يمارس صلاحيات الشرطة الإدارية في مجالات السلامة والسكينة والوقاية الصحية بمقتضى المادة 100 من القانون التنظيمي 113.14 – وهو اختصاص يقوم على أساس ترابي لا عقاري، فيشمل النفوذ الترابي للجماعة بصرف النظر عن هوية مالك الوعاء، إضافة إلى واجب إشعار الجهات المختصة وطلب القوة العمومية عند الاقتضاء؛
ثالثا: السلطة المحلية والمصالح الأمنية ، في شق حفظ النظام العام والضبط القضائي؛
رابعا: عامل الإقليم ، الذي يخوّله القانون التنظيمي سلطة الحلول محل رئيس المجلس عند امتناعه عن اتخاذ التدابير المفروضة عليه قانوناً.
والمفارقة أن تعدد المختصين لم يُنتج مراقبة. فالنتيجة على الأرض هي غياب أي أثر ميداني دائم، رغم أن كل جهة من هذه الجهات مختصة قانوناً، وأن إحداها على الأقل سبق أن انتقلت إلى عين المكان وعاينت.
ويطرح امتداد الوضعية عبر ولايات انتدابية متعاقبة سؤالاً أعمق من مسؤولية مجلس بعينه: فالأمر يتعلق بامتناع مستمر، تتوارثه الهياكل الإدارية والمنتخبة على السواء، دون أن ينقطع، ودون أن يُرتَّب عليه أثر.
أبعاد مسكوت عنها:
أولا: خطر الحريق: القصب مادة سريعة الاشتعال، واستعمال أكواخ منه للإيواء الليلي – بلا مخارج طوارئ، ولا وسائل إطفاء، ولا إنارة نظامية – يشكل خطراً قائماً بذاته، بمعزل عن أي فعل جرمي.
ثانيا: جودة المياه: نشاط إيواء ليلي مستمر في محيط منابع تُعد مصدراً لتزويد الساكنة بالماء الشروب، دون تجهيز للصرف الصحي ولا حاويات لجمع النفايات والأزبال، يطرح سؤالاً صحياً مباشراً. ولا يُعرف إن كان أي تحليل مخبري قد أُنجز بهذا الشأن.
ثالثا: السكينة والأمن: تتواتر شكايات السكان ومرتادي الفضاء من الاختلالات التي تعرفها المنطقة خلال الموسم الصيفي، من تعاطٍ علني للمشروبات الكحولية، وما يُتداول عن ترويج مواد ممنوعة، وصخب ليلي، ومشاجرات متكررة. وهي وقائع تُنقل بانتظام عبر التدوينات المحلية والمنابر الإعلامية مع مطلع كل صيف، دون أن يُعرف ما إذا كانت قد أفضت إلى تدخلات أمنية منتظمة أو إلى تحرير محاضر.
ويطرح ذلك سؤالاً على مستوى الشرطة الإدارية: فالسكينة العمومية والسلامة من صميم الاختصاصات المخولة قانوناً، وتحوّل الإخلال بها إلى ظاهرة موسمية متكررة ومعلومة سلفاً يجعل التدبير الوقائي ممكناً ومُبرمَجاً، لا مفاجئاً ولا طارئاً.
وثمة بعد إجرائي إضافي: انعدام سجل للنزلاء يعني غياب أي أثر مكتوب لمن كان بالموقع في أي وقت ـ وهو ما قد يشكل عائقاً موضوعياً أمام البحث القضائي نفسه.
أسئلة تنتظر جواباً:
ما التوصيات التي تضمنها محضر اللجنة المختلطة لصيف 2022، وما مآل تنفيذها؟
ما الأثر الذي رُتّب على مراسلة أعضاء المجلس الجماعي لعامل الإقليم بتاريخ 26 ماي 2023؟
هل سُلّم أي ترخيص بالاحتلال المؤقت للملك العمومي المائي بالموقع؟
هل حُرّرت محاضر مخالفة من طرف شرطة المياه، وما مآلها؟
كم عدد التدخلات الأمنية والمحاضر المحررة بالموقع خلال السنوات الأخيرة؟
هل بُرمجت أي تغطية أمنية موسمية بالموقع خلال السنوات الأخيرة، بالنظر إلى الطابع المتكرر والمعلوم للإقبال الصيفي؟
هل وجّهت الجماعة يوماً طلباً مكتوباً لتدخل القوة العمومية بالموقع؟
هل عرفت أي محاولة لتنظيم استغلال الموقع عوائق حالت دون تنفيذها؟ ومن أي جهة؟
وأي تكلفة كانت ستقتضيها إزالة منشآت موسمية خفيفة، وهي عملية لا تستلزم مسطرة هدم ولا آليات ثقيلة؟
تنظيم لا مجرد زجر:
تبقى معالجة هذا الملف عصيّة على الاختزال في مطلب الإزالة. فجزء من المستغلين من ساكنة المنطقة، والاستغلال نشأ وتوسّع في ظل فراغ تنظيمي طويل.
والمقاربة التي تحمي الملك العام وتحفظ مصدر عيش الساكنة في آن واحد تمر عبر التقنين: تحديد إداري للموقع، وعقود احتلال مؤقت بمقابل تمنحها الجهة المختصة، ودفتر تحملات يضبط شروط السلامة والصحة، وتغطية أمنية موسمية تُبرمج مسبقاً، وإنجاز محطة تصفية المياه العادمة التي طال انتظارها.
فالمنابع ثروة طبيعية عمومية، وحمايتها وحماية مرتاديها مطلبان لا ينفصلان .
