www.alhadattv.ma
أثار مهرجان تاهلة، الذي أُقيم تحت شعار “الزربية الوراينية”، نقاشاً حاداً حول الهوية الثقافية وآليات التنظيم، رغم ما حققته نسخته الأولى من نجاح ملحوظ. هذا الجدل، الذي تراوح بين اتهامات بالإقصاء ودفاع عن الشمولية، كشف عن انقسامات عميقة في المشهد المحلي، مما يطرح تساؤلات حول كيفية تحقيق التوازن بين الاحتفاء بتراث معين وتمثيل التنوع الثقافي للمنطقة بأسرها.
– بين الشعار والواقع: إقصاء أم احتفاء؟
–
تكمن نقطة الخلاف الرئيسية في شعار المهرجان “الزربية الوراينية”، الذي اعتبره العديد من أبناء قبيلة آيت سغروشن إقصاءً متعمداً لمكون أساسي من دائرة تاهلة. هذه الدائرة تضم سبع جماعات، أربعة منها تنتمي لقبيلة آيت وراين، وجماعة واحدة هي آيت سغروشن التي تُعد ثاني أكبر جماعة من حيث الكثافة السكانية بعد بلدية تاهلة. من وجهة نظر المنتقدين، كان يجب أن يعكس المهرجان هذا التنوع، وأن يتبنى شعاراً جامعاً لا يقتصر على مكون واحد، مهما كانت أهميته.
في المقابل، يدافع المنظمون عن اختيار الشعار، مؤكدين أنه جاء بعد تشاور واسع مع عدة فاعلين. وكمبرر لشمولية المهرجان، أشاروا إلى دعوة جمعيات من آيت سغروشن مهتمة بفن “أحيدوس” للمشاركة في فعاليات المهرجان، بالإضافة إلى إتاحة الفرصة لنساء من نفس الجماعة لعرض منتوجاتهن التقليدية. هذه الخطوات، وإن كانت إيجابية، إلا أنها قد تُفهم على أنها محاولة لامتصاص الغضب بدلاً من معالجة جوهر المشكلة: لماذا لم يُعط التراث السغروشني تمثيلاً متساوياً في هوية المهرجان وشعاره الرئيسي؟
في هذا السياق، اعتبر بعض المؤيدين أن هذا النقاش “إثني” ويهدف إلى زرع التفرقة، مؤكدين على أن القبيلتين تربطهما علاقات وطيدة. ورغم صحة وجود هذه العلاقات، إلا أن الاعتراف بها لا ينبغي أن يُستخدم لتجاهل المطالب المشروعة بالتمثيل الثقافي المتوازن، بل يجب أن يكون أساساً لتعزيز الوحدة من خلال الاحتفاء المشترك بكل مكونات المنطقة.
– انتقادات التنظيم: جمعية رياضية في مهمة ثقافية:
–
تفاقم الجدل بشكل كبير بسبب طريقة اختيار الجهة المنظمة للمهرجان. فقد تم إسناد مهمة التنظيم لجمعية مهتمة بالمجال الرياضي، مما أثار استياء جمعيات ثقافية عريقة وذات باع طويل في هذا المجال، مثل جمعية أدرار وجمعية آفاق. اعتبرت هذه الجمعيات أن هذا الإجراء إقصاءً غير مبرر من قبل المجلس الجماعي لبلدية تاهلة، مما دفعها إلى إصدار بيانات رسمية تعبر عن رفضها لهذا الأسلوب في التعامل مع جمعيات المجتمع المدني.
يعكس هذا القرار خللاً واضحاً في منهجية تدبير الشأن الثقافي. فإسناد مهمة ثقافية بامتياز لجمعية ذات طابع رياضي يُثير تساؤلات حول الكفاءة والخبرة، ويزعزع الثقة في شفافية عملية الاختيار، خاصة في ظل وجود جمعيات متخصصة في المجال الثقافي كانت قادرة على القيام بهذه المهمة.
– نجاح النسخة الأولى وصمت آيت سغروشن:
–
على الرغم من هذه الانتقادات، يبدو أن المهرجان في نسخته الأولى قد حقق نجاحاً مهماً. فقد تضمن فعاليات متنوعة شملت مداخلات لأكاديميين، ومسابقة دولية في الطبخ، وكرنفال استعراضي، ومعرضاً للمنتوجات التقليدية، وعروضاً فنية محلية منحت الطاقات الشابة فرصة لإبراز مواهبها، بالإضافة إلى انفتاحه على مكونات ثقافية من خارج المنطقة. هذا النجاح يعطي المهرجان دفعة قوية نحو الاستمرارية، ولكنه في الوقت نفسه لا يُلغي الانتقادات المتعلقة بالهوية والتمثيل.
من اللافت أيضاً، أنه في الوقت الذي عبّر فيه مواطنون بشكل فردي عن انتقاداتهم لشعار المهرجان، لم يصدر أي رد فعل رسمي أو بيان من جمعيات المجتمع المدني بجماعة آيت سغروشن. كما أن القائمين على تسيير شؤون الجماعة، والذين حضر عدد مهم منهم فعاليات المهرجان، التزموا الصمت بدورهم. هذا الصمت يُثير علامات استفهام حول مدى فاعلية هذه الجمعيات وقدرتها او على تمثيل مصالح أبناء المنطقة، ويُضعف من قوة مطالبهم الجماعية.
في النهاية، يُعد مهرجان تاهلة مثالاً على أن النجاح التنظيمي لا يُعفي من ضرورة معالجة القضايا المتعلقة بالهوية والتمثيل. فالمهرجان لا يمكن أن يكون مجرد احتفال، بل يجب أن يكون منصة لتعزيز الشمولية والشفافية في التدبير الثقافي، وضمان مشاركة عادلة وفعالة لجميع مكونات المنطقة
