بعد خمسة أيام منبع بوزملان يعود إلى الخزان في صمت: قرار توقيف لم يشرح، وقرار إعادة تشغيل لم يعلن

www.alhadattv.ma

بعد نحو خمسة أيام من توقيف تزويد الخزان الذي يمد مركز بوزملان ودوار تعاونية النصر بالماء الصالح للشرب انطلاقا من المنبع، عاد ماء المنبع نفسه إلى الخزان نفسه، دون بلاغ ولا توضيح ولا كلمة واحدة موجهة إلى ساكنة يتجاوز عددها في المركز وحده 3000 نسمة حسب الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024. قرار التوقيف لم يشرح للناس، وقرار إعادة التشغيل لم يعلن لهم، وبين القرارين أيام عطش لم تقتصر على المركز، بل امتدت إلى دواوير أخرى لم تكن طرفا في المشكل أصلا.
توقيف بلا بلاغ
يوم الخميس 22 أكتوبر 2026، توقف تزويد الخزان بمياه المنبع، في سياق بات معروفا لدى الساكنة والفاعلين المحليين: تلوث الفرشة المائية وتسرب المياه العادمة إليها بفعل غياب شبكة للصرف الصحي بالمركز، حيث تعتمد نحو 800 أسرة على حفر تقليدية موزعة على ضفتي المنابع. غير أن هذا السياق لم يصدر في أي وثيقة رسمية؛ فلا الشركة الجهوية متعددة الخدمات، التي آل إليها تدبير المرفق، ولا المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، أصدرا بلاغا يشرح سبب التوقيف ومدته والبدائل المقررة. وتركت الساكنة تستقي المعلومة من الأحاديث المتداولة ومن صور غسل الخزان ليلا.
غسل ليلي ومياه بروائح كريهة
قبل ربط الخزان بشبكة ثقب تامزارت، جرى غسله ليلا. وتفيد تصريحات وشهادات عدد من مواطني مركز بوزملان بأن المياه التي غسل بها الخزان كانت تنبعث منها روائح كريهة. وهي شهادات تحتاج إلى تأكيد أو نفي تقني من الجهة المعنية، لكنها تطرح أسئلة لا يمكن تجاهلها: ما مصدر المياه التي استعملت في الغسل؟ ولماذا أنجزت العملية ليلا، بعيدا عن أعين الساكنة ودون أي إخبار مسبق؟ وهل خضع الخزان بعد غسله لعملية تعقيم ومراقبة مخبرية قبل إعادة ملئه؟
وتزداد هذه الأسئلة ثقلا في ضوء ما جرى لاحقا: فإذا كانت المياه المحيطة بعملية الغسل نفسها قد أثارت شكوك الساكنة إلى هذا الحد، فعلى أي أساس أعيد بعد أيام ضخ مياه المنبع الموقوف في الخزان ذاته؟
الحل المؤقت: نقل الأزمة بدل حلها
كان الخيار الأول ربط الخزان بالشبكة التي يغذيها ثقب تامزارت، الواقع على بعد نحو 8 كيلومترات من المركز، والمخصص أصلا لتزويد عدد من دواوير جماعة آيت سغروشن. وهي دواوير شاسعة ومشتتة، ظلت ساكنتها منذ سنوات تعاني من تعثر مزمن في التزود بالماء، إذ ينقطع لأيام متتالية لا لساعات، بفعل إكراهات معروفة، في مقدمتها اتساع المجال المخدوم وتشتت التجمعات السكنية، ومحدودية الخزان المستعمل قياسا إلى الحاجيات.
وكانت النتيجة متوقعة: تعمقت أزمة العطش في دواوير ثقب تامزارت بعدما أضيف إلى شبكتها عبء مركز كامل، ومع ذلك لم يصل الماء إلى ساكنة المركز وتعاونية النصر بالشكل المطلوب. أي أن الحل المؤقت لم يرفع العطش عن المركز، ووسعه ليشمل من كان يعاني أصلا. وهنا يطرح السؤال نفسه: هل أنجزت أي دراسة تقنية لقدرة الثقب والخزان والشبكة قبل اتخاذ قرار الربط، أم أن القرار اتخذ تحت ضغط الاستعجال وحده؟
الحل البديل: ثقب احتياطي ينتظر
أما الحل البديل المعلن في الكواليس، فهو ربط الخزان بثقب احتياطي سبق للمكتب الوطني أن حفره عند المدخل الجنوبي للمركز. غير أن هذا الحل يتطلب وقتا لإنهاء أشغال الحفر والتجهيز، وبناء الروكارات والتوصيلات اللازمة.
والإنصاف يقتضي الإشارة إلى أن أشغال ربط الخزان بالثقب الاحتياطي ما تزال جارية، وتسير، وفق ما يبدو من خلال التجهيزات المستعملة في الورش، بالسرعة اللازمة. غير أن هذه الوتيرة، على أهميتها، لا تعوض غياب المعلومة؛ فالساكنة ما تزال تجهل الأجل المتوقع لانتهاء الأشغال، والموعد الذي سيصلها فيه الماء من المصدر الجديد، والمعطيات المتعلقة بجودته. وكان يكفي بلاغ قصير يعلن هذه المعطيات ليحول الانتظار من حيرة إلى ترقب مطمئن.
والسؤال المشروع هنا: إذا كان هذا الثقب قائما منذ مدة، وإذا كان تلوث الفرشة المائية بالمنطقة معروفا منذ سنوات ونبهت إليه جمعيات المجتمع المدني والصحافة منذ 2017 على الأقل، فلماذا لم يجهز الثقب الاحتياطي قبل الوصول إلى لحظة التوقيف؟ ولماذا يجري التخطيط للبديل بعد وقوع الأزمة لا قبلها؟ ثم إن الثقب يقع في منطقة أقل كثافة، لكنها مجاورة لبعض المنازل غير المرتبطة بأي شبكة للصرف الصحي، ما يفرض سؤالا آخر حول الضمانات المتعلقة بجودة مياهه على المدى المتوسط.
العودة إلى المنبع: ما الذي تغير في خمسة أيام؟
أمام فشل الحل المؤقت وتأخر الحل البديل، اضطر المسؤولون إلى إعادة تشغيل المنبع وتزويد الخزان بمائه من جديد، دون أي توضيح رسمي. وهو القرار الذي يضع الساكنة في حيرة حقيقية: إذا كان المنبع قد أوقف لأن ماءه لم يعد آمنا، فما الذي تغير في خمسة أيام؟ هل أجريت تحاليل مخبرية جديدة أثبتت صلاحية الماء للشرب؟ وإن أجريت، فلماذا لم تعلن نتائجها؟ وهل عززت المعالجة والتعقيم قبل إعادة الضخ؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون مفاضلة صامتة بين العطش والخطر الصحي، تحسمها الجهات المعنية نيابة عن الساكنة ودون علمها؟
إن الصمت في هذه الحالة ليس حيادا؛ فهو يترك الأسر أمام خيارين كلاهما مقلق: أن تشرب ماء أوقف قبل أيام لسبب لم يعلن، أو أن تتحمل كلفة اقتناء الماء من مصادر أخرى، في مركز عرف تاريخيا بغناه المائي.
حق في الماء وحق في المعلومة
يكرس الفصل 31 من الدستور حق المواطنات والمواطنين في الحصول على الماء والعيش في بيئة سليمة، ويضمن الفصل 27 حقهم في الحصول على المعلومات، وهو الحق الذي نظمه القانون رقم 31.13. والماء الصالح للشرب ليس مجرد خدمة تقنية تدار في صمت، وإنما مرفق عمومي يقوم على مبادئ الشفافية والاستمرارية وجودة الخدمة. ومن ثم، فإن أي قرار يمس سلامة ماء الشرب، توقيفا أو إعادة تشغيل، يستلزم بلاغا واضحا يحدد الأسباب والمعطيات الصحية والآجال والبدائل، حتى لا تتحول الإشاعة إلى المصدر الوحيد للمعلومة.
أسئلة تنتظر أجوبة
أمام هذا الوضع، تطرح الساكنة والرأي العام المحلي أسئلة لم تعد تحتمل التأجيل:
1 – ما الأسباب الدقيقة لتوقيف المنبع يوم 22 أكتوبر، وعلى أي تحاليل استند القرار؟
2 – ما مصدر المياه التي غسل بها الخزان ليلا، وما حقيقة الروائح الكريهة التي تحدث عنها مواطنون، وهل عقم الخزان وخضع للمراقبة قبل إعادة ملئه؟
3 – على أي أساس تقني وصحي أعيد تشغيل المنبع، ومن اتخذ القرار، وهل نشرت نتائج التحاليل الجديدة؟
4 – هل أنجزت دراسة مسبقة لقدرة ثقب تامزارت قبل ربطه بالخزان، ومن يتحمل كلفة تعميق العطش في الدواوير التي يزودها؟
5 – ما الجدولة الزمنية لإنهاء أشغال الثقب الاحتياطي، وما الضمانات المتعلقة بجودة مياهه؟
6 – لماذا غابت البلاغات الرسمية عن الشركة الجهوية متعددة الخدمات والمكتب الوطني طيلة هذه المرحلة؟
7 – وأين المجلس الجماعي من كل هذا، وهو الذي لم يدرج تطهير السائل بمركز بوزملان في جدول أعمال دوراته طيلة هذه الولاية؟
أصل المشكل لم يمس بعد
مهما تعددت الحلول، من المنبع إلى ثقب تامزارت إلى الثقب الاحتياطي، فإنها تظل جميعها تدبيرا للأزمة لا معالجة لأصلها. فمصدر التهديد الحقيقي هو غياب شبكة للصرف الصحي بمركز يضم نحو 800 أسرة، إضافة إلى الإعدادية والمدارس الابتدائية ودار الطالب والطالبة، في منطقة تقوم على فرشة مائية غنية وهشة في آن. وما دامت المياه العادمة تتسرب إلى باطن الأرض، فإن كل مصدر مائي قريب يظل مهددا، اليوم أو غدا. لذلك فإن أي نقاش جدي حول ماء بوزملان يبدأ من مطلب واحد: تجهيز المركز بشبكة للتطهير السائل، وإخبار الساكنة بكل ما يتعلق بالماء الذي تشربه، بوضوح ومسؤولية.

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) لتحسين تجربتك. سنفترض أنك توافق على ذلك، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا رغبت. قبولتفاصيل أكثر