جامع تازة الأعظم السلطاني الذي بتفرد وعظمة ثريا مفخرة ..

www.alhadattv.ma

* عبد السلام انويكًة

بعظمة موقع ومنظر واطلالة شرفة وتماس جبل ومناعة محيط أجراف..، هي تازة العتيقة (تازة العليا) التي أحيطت بما احيطت من عناية منذ مغرب العصر الوسيط، ما جعلتها بتراث تاريخي حضاري وزخم رفيع، جامع بين معالم أثرية روحية وعلمية وسياسية ودفاعية. من قبيل دار إمارة ومدارس وإقامة طلبة وزوايا هنا وهناك فضلا عن دور عبادة، منها جامع اعظم سلطاني يعود بناء جزئه الموحدي للقرن السادس الهجري كأحد تحف عمارة المغرب هذه الفترة من تاريخه الوسيط. جامع بقدر ما يحضر في مصادر تاريخية، بقدر ما احيط بعناية خاصة زمن دولة بني مرين التي جعل ملوكها من تازة عاصمة أول أمرهم السياسي. ويسجل حول نشأة تازة، أنه بقدر ما هناك من اشارة تاريخية بقدر غموض يطبع أولها. فإذا كانت قد شكلت وجهة للمولى ادريس الأول في بداية أمره، فإن نشأتها لا شك أنها سابقة عن هذه الفترة، بدليل ما ورد حول بني العافية وقبيلة مكناسة التي قد تكون بأثر في اختطاطها خلال القرن الثالث الهجري. وعليه، قد تكون نواة المدينة تعرضت لتخريب ما، قبل اعادة بناءها من جديد وانتقالها من وضعية رباط الى وضع مدينة زمن الموحدين.
وإذا كان اسم تازة ورد بصيغ تيزا وتازا وتازى وتازة منذ القرن الرابع الهجري، فبلوغ أصل التسمية وتركيبها ليس أمراً سهلاً، لِما للمسألة من علاقة بعلم الأمكنة والطوبونيميات، واعتقد أن اسم تازة شبيه بما هو أثر قد يكون فَقَد كثيراً من دلالاته الأولى، بل اسم تازة قد يكون تجمد مع الزمن ولم يبق منه سوى بقايا شيء ربما تفكك منذ قرون، ومن هنا ما يحيط بأصل اسم تازة من صعاب وتغيرات وأن ما يتداول بقدر أهميته في تجاوز شبه بياض بقدر ما يظل نسبيا الى حين. وهنا عوض حديث عن تزي أصل تسمية اشتق منها اسم تازة، قد يكون اسم تيزي هو الذي اشتُق من تازة. ومن الطبيعة قد يكون مصدر اسم تازة، فغير خاف أن مجال المنطقة غني بصخر الكلس”تافزة”، الذي يحضر في الذاكرة محليا كصخر تصنع منه مادة الجير الذي قد يكون أصل تسمية تازة “تافزة – تازة ” ؟ . وأما حول تازة مدينة النحاس، فلم يرد هذا في أي مصدر تاريخي لا عربي ولا مغربي، وحتى الحديث عن معدن النحاس وتازة ومن ثمة “مدينة النحاس”، درب من الخيال والأساطير والخرافة لا غير. وقد يكون ما حصل حول “تازة مدينة النحاس” لبس تعبير وتدوين ورد في تقارير مستكشفين استعماريين أواخر القرن التاسع عشر، اعتمدوا على كل ما كانوا يلتقطونه من رواية أهالي هنا وهناك، تلبية لهاجسهم في جمع المعلومة بما فيها غير الدقيقة.  وعليه، قد يكون ما ورد مكتوبا باللغة الفرنسية لدى بعض الرحالة الأجانب الاستخباراتيين، يعني “مدينة النعاس” وليس “النحاس” بحيث كتبوا الكلمة وفق ما سمعوه من رواية محلية، علما أن تازة كانت محطة توقف واستراحة للعابرين من تجار قوافل وغيرهم بين شرق البلاد وغربها.
ومن معالم تازة الأثرية المادية الروحية كما سبقت الإشارة، جامع تازة الأعظم التاريخي الموحدي المريني، ولعل ما يسجل في علاقة هذا الجامع بدولة الموحدين التي حكمت المغرب حتى منتصف القرن السابع الهجري، فبقدر ما كانت عليه من تقدم عمراني جعلها بمنزلة حضارية في زمن المغرب، بقدر ما أن ما هو زخرفة في بداية حكم عبد المومن بن علي الكًومي الموحدي كان بحرج فكري، وهو ما جعل البناء والعمارة عموما في عهده خالياً من كل زخرفة سيراً على نهج مؤسس الدولة المهدي ابن تومرت في الزهد. لكن ما أن فتح عبد المومن بن علي بلاد الأندلس حتى بدأ ينهل من حضارتها وعمارتها وبدائع زخارفها، لكي لا يوصف بتخلف عما بات تحت نفوذه من أقاليم جديدة. وعليه، كان أول عمل له في التشييد بعد فتح تازة بناءه لجامعها الأعظم (مسجد) وبنفس التخطيط الذي طبع مسجد تنمل. وكان بناء جامع تازة قد بدأ عند تأسيس عبد المومن بن علي للمدينة 529ه، مشتملا في بنيته الأولى على بيت صلاة من ثلاث بلاطات وأربعة أساكيب، مع أسكوب محراب بثلاث قباب وبصحن الجامع مجنبتان متصلتان ببلاطين شرقي وغربي، مع أهمية الاشارة الى أن صومعة الجامع وضعت في ركنه الشمالي، وأن ما أضيف في زمن حكم بني مرين من زيادة هو أمر واضح مقارنة بما هو أثر موحدي. وحتى يكون هذا الجامع ظاهراً من جميع الجهات تم تشييده في موضع هو نواة المدينة (أشرقيين)، وهو موقع مرتفع يطل من خلاله هذا الجامع على ممر شهير يصل شرق البلاد بغربها. وتؤكد ميزة اتساع صحن مسجد تنمل شكل صحن مسجد تازة الموحدي، الذي ورث شكله عن مساجد دولة المرابطين بفاس التي يعتبر مسجد قرطبة نموذجها الأول. ومسجد تازة الذي شكل انتقالا بين عمارة الموحدين وعمارة المرينيين (الجامع)، يعود لأواخر القرن السابع الهجري 691 ه زمن أبي يعقوب يوسف المريني الذي كان وراء زيادة فيه، حيث أصبح يشتمل على سبعة بلاطات وثمانية أساكيب مع أسطوانة محراب مريني جديد تميز بأروع قبة اسلامية. وكان للوح تأسيسي عبارة عن نقش يخص ما أضافه بنو مرين من زيادة، فضل في فك غموض تحديد معالم المسجد الموحدي بتازة (الجزء الموحدي من الجامع الأعظم بالمدينة) وحدوده مع أسماء وتواريخ مساعدة. وقد جاء هذا النقش بخط مغربي من خمسة عشرة سطراً، يحتوي كل واحد منها على سبع كلمات وبه أخطاء إملائية كالتالي :”أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على محمد، أما بعد أمر أمير المسلمين وناصر الدين أبي يعقوب ابن أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين، أبي يوسف أسماه الله وخلده ببنا الزيادة التي زيدة (كذا) في هذا الجامع شرفه الله، وذلك أربعة بلاطاة (كذا) في قبلته وبلاطان شرقي وغربي(مع) الصحن الذي وابتديء في مفتتح ربيع الأول من العام المنصرم(..)، وكان الفراغ منه أواخر شوال إحدى وتسعين وستمائة”.
وعموما يسجل حول جوامع المغرب زمن مغرب دولة بني مرين، كونها ليست بمعطيات تاريخية شافية حول سبل ما كان بها من انارة، وأن الإشارات الوحيدة تلك التي تهم فاس وسبتة وتازة وتهم ما يتعلق بثريات واستعمال زيت الانارة. وكان صاحب روض القرطاس قد أورد معطيات هامة حول ثريا تازة، مشيراً لتاريخ صناعتها 693 ه بعد انتهاء يوسف بن يعقوب المريني من توسيع جامعها. اضافة لكلفتها ووزنها وعدد كؤوسها. قائلا :” وسنة ثلاث وتسعين وستمئة فرغ من بناء جامع تازة، وعملت الثريا وزنها إثنتان وثلاثون قنطاراً من النحاس وعدد كؤوسها خمس مئة كأس وأربعة عشر كأساً، وأنفق في بناء الجامع وعمل الثريا.. ثمانية آلاف دينار ذهباً.” يذكر أن ثريا جامع تازة مكونة في قسمها الرئيسي من شكل مخروطي مصنوع من البرونز، بشعاع مترين وخمسة وأربعين سنتمتر وبعلو متر واحد وأربعين سنتمتر. ومما يزيد من تفرد ثريا جامع تازة التي بتميز في المغرب والغرب الاسلامي والعالم الاسلامي، كون جزئها الأسفل يحتوي قصيدة شعر منقوشة عليه، وهي بمعاني بالغة التعبير والوصف لشاعر مجهول الى حين، قصيدة شهيرة عند أهل تازة لارتباطهم وجدانياً بهذه التحفة التي زين بها جامع مدينتهم، اعترفاً بفضلها وفضل وأهلها زمن نشأة دولة بني مرين أول أمرهم السياسي. ولعل من الاشارات الهامة التي تحتويها هذه القصيدة، تاريخ تعليقها 694 ه بخلاف ما هناك من لبس تعبيري فيما جاء عند ابن أبي زرع، وهو ما يطرح سؤال سبب تأخير ونقل وتعليق هذه التحفة الفنية في جامع تازة. وكان الوزير الاسحاقي عند زيارته لتازة ضمن رحلة حجية له، قد أورد أن من جملة ما رآه وأثار انتباهه في تازة ثرياها العجيبة التي يضرب بها المثل، مشيراً الى أنها لا مثيل لها كعنقود عظيم مرصع بمراكز قناديل متماسكة في الهواء من خلال سلسلة نحاسية. وإذا كانت ثريا تازة تشكل عملاً ابداعاً ونبوغاً حرفياً، فإن أصولها تنحدر من نموذج موحدي هو ثريا جامع القرويين التي أنجزت بداية القرن الثالث عشر الميلادي بأمر من السلطان محمد الناصر، والثريتين التي بتازة وفاس تتكونان من قاعدة سفلى بطبقات محاطة بجسم دائري كان مخصصاً لحمل قناديل يسرج بها الزيت.
يبقى ختاما حول ثريا تازة التحفة المرينية وطابع جامعها الأعظم المزدوج الحضارة، أنه باستثناء ما ورد عنهما من اشارات مصدرية مغربية، وما ورد عنهما أواسط القرن الماضي في مؤلف”هنري تيراس” الذي خصصه لعمارة هذا الجامع، ولعله دراسة بمحاور ومعطيات ذات قيمة علمية عالية حول ما هو حضاري يخص هذه المعلمة، لِما احتوته هذه الدراسة من تحليل ومقارنة وأشكال قياس وتصاميم وأبعاد هندسية. يبقى الذي يسجل فضلا عن احاطات جاءت في تقارير أجانب فرنسيين خاصة تعود لفترة الحماية، غياب أبحاث حديثة وفق ما ينبغي من عمق وتدقيق وتأسيس اركيولوجي وطني، من أجل ما ينبغي من معرفة وتحليل وتنوير أهم وأوسع، ليس فقط صوب جامع تازة وثرياه بل حول جوانب عدة أخرى من كنوز ومعالم عمارة المدينة الدفاعي والعلمي والاجتماعي والسياسي.
رئيس مركز ابن بري للدراسات والأبحاث وحماية التراث

تعليقات الزوار
جاري التحميل ...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) لتحسين تجربتك. سنفترض أنك توافق على ذلك، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا رغبت. قبولتفاصيل أكثر