www.alhadattv.ma
رشيد نهيري
لم تعد مشاهد التدفق الجماعي نحو مدينة سبتة مجرد أرقام تُسجل في تقارير أمنية روتينية ولا مجرد صور عابرة تتداولها منصات التواصل الاجتماعي بل تحولت إلى شهادة إدانة علنية وميدانية لفشل السياسات العمومية التي تديرها الحكومة الحالية. عندما يتحول البحر من منفذ للأمل والتنمية إلى ملجأ أخير لقاصرين وشباب ونساء يلقون بأنفسهم في عرض المتوسط وسط أمواج متلاطمة، فإن الرسالة السياسية الموجهة إلى الائتلاف الحكومي المشكل من الأحزاب الثلاثة التجمع الوطني للأحرار، والأصالة والمعاصرة، والاستقلال تبدو واضحة ولا تقبل التأويل لقد سقطت الوعود التنموية براقة الألوان وحل محلها واقع من اليأس الاجتماعي والاحتقان الشعبي الصامت لقد دخل هذا الائتلاف الحكومي معتركه السياسي بتموقع يقوم على شعارات كبيرة في مقدمتها بناء الدولة الاجتماعية وإعادة هيكلة القطاعات الحيوية وتوفير فرص الشغل للشباب غير أن واقع الحال الميداني أظهر تناقضاً صارخاً بين الخطاب السياسي والأداء العملي ويرى العديد من الفاعلين الحقوقيين والمحللين الاقتصاديين أن الإشكالية البنيوية الرئيسية تجسدت في ظاهرة تداخل المال بالسلطة وتضارب المصالح الذي طبع أداء التجربة الحكومية الحالية فبدلاً من إقرا إجراءات صارمة وحاسمة لحماية القدرة الشرائية للمواطنين ومواجهة الجشع واحتكار الأسواق آثرت الحكومة اعتماد تدابير اقتصادية اتهمت بتكريس تراكم الثروة لدى فئات متميزة ونخب نافذة على حساب الطبقة المتوسطة والفئات الأكثر هشاشة.
إن هذا الخلل الهيكلي انعكس بشكل مباشر على الحياة اليومية للمواطن المغربي حيث شهدت البلاد موجات تضخم غير مسبوقة مست المواد الغذائية الأساسية وأسعار المحروقات والخدمات، دون أن تتدخل الحكومة بقرارات جريئة لسقف الأسعار أو مراجعة هامش أرباح الشركات النافذة. توازى ذلك مع ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب وحاملي الشهادات إلى مستويات قياسية، ما جعل شعارات من قبيل توفير مليون فرصة شغل محط تشكيك واسع وفاقدة لأي أثر ملموس على أرض الواقع. هذا التراكم المستمر أدى إلى انسداد مسارات الارتقاء الاجتماعي وتغذية شعور عميق لدى أجيال جديدة بأن مستقبلها بات مسدود الآفاق داخل وطنها وأن الاستحقاق والتعليم لم يعودا كافيين لضمان عيش كريم وفي هذا السياق تأتي المشاهد القاسية على شواطئ الفنيدق والحدود التماسية مع سبتة لتكشف أن هذا التدفق الميداني للآلاف من الراغبين في العبور
سباحة أو عبر السياج الحدودي ليس رغبة عابرة في المغامرة، بل هو هرب جماعي اضطراري من واقع اقتصادي ضاغط الأسر التي وجدت نفسها عاجزة عن تغطية التكاليف الأساسية للعيش باتت تشاهد أبناءها يختارون مخاطر البحر بحثاً عن أفق يضمن الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية. ورغم المعالجة الأمنية المكثفة التي تحاول حماية الحدود وتفكيك شبكات تنظيم الهجرة، فإن هذه المقاربة تبقى عاجزة بمفردها عن إيقاف هذه الموجات المتتالية ما لم توازيها مراجعة جذرية وعميقة للسياسات الاجتماعية والاقتصادية التي أوجدتها.
إن هذه المشاهد المتكررة تضع الأحزاب الأغلبية الحكومية أمام مواجهة صريحة مع مسؤوليتها الأخلاقية والسياسية.
فأين ذهبت المخططات التنموية وبرامج التمكين الاقتصادي الموجهة للشباب؟ وكيف حول مشروع الدولة الاجتماعية إلى ارتهان المواطن لغلاء الأسعار وضغوط المعيشة؟ إن استمرار سياسة التجاهل والتعامل مع الأزمة بإجابات تقليدية لن يفعل سوى تعميق الفجوة بين المواطن والمؤسسات وإضعاف الثقة في الخيار الديمقراطي والتنموي. وتتحمل الأغلبية الحكومية اليوم كامل المسؤولية للإبانة عن إرادة سياسية حقيقية تتجاوز التدبير الربحي وتضارب المصالح، وتتجه نحو تبني استراتيجية وطنية دمجية تعيد للأسر أمنها الاقتصادي وللشباب أملهم في بناء مستقبلهم فوق أرضهم.
