الدكتور محمد المعزوز…الحقل الانتخابي يشبه شريطا مطاطيا (لاستيك) يجذبه كل طرف نحو مصالحه، فالدولة تجر جزءًا والأعيان والزعامات المحلية يجرون جزءًا آخر

www.alhadattv.ma

*حمزة بصير

أبدى الدكتور محمد المعزوز، أستاذ الأنثروبولوجيا السياسية، خلال مشاركته في الندوة العلمية للزميلة جريدة “الشعاع الجديد” حول السلوك الانتخابي بالمغرب، جملة من الملاحظات الإبستيمولوجية، مؤكدًا في المقام الأول أن حقل “إثنولوجية السلوك الانتخابي” يظل غائبا ومغيبا بامتياز في الدراسات الأكاديمية والبحثية المغربية المعاصرة، حيث يلج الباحثون هذا الميدان إما من باب العلوم السياسية أو علم الاجتماع السياسي، بينما تظل الممارسة الإثنولوجية الميدانية غائبة كمؤسسة ومقتصرة على بعض الأطاريح المنسية في رفوف الكليات دون تجسيد حقيقي على أرض الواقع.
ونبه الدكتور المعزوز إلى أن دراسة السلوك الانتخابي ظلت تراوح مكانها على مستوى النظر والتفكير لإعادة إنتاجها لنفس الآراء والخلاصات القديمة التي ثبتت في الثمانينيات والتسعينيات دون اجتهاد يذكر، لاسيما مع استمرار الاعتماد الكلي على مراجع تاريخية كأعمال جون واتربوري وريمون لوفو التي رغم أهميتها وسياقها التاريخي تجاوزها الزمن.
واعتبر أن السلوك الانتخابي في المغرب يظل غير مفهوم بسبب مقاربته برؤية ومنهج أحادي يغيب تقاطع المناهج العلمية كالإثنوغرافيا، والعلوم السياسية، وعلم الاجتماع، فضلاً عن الغياب التام لأدوات التحليل النفسي والمنهج التاريخي المرتبط بتشخيص تاريخ المنطقة وعلاقتها بالفرد المصوت، داعيا إلى ضرورة إقامة الحدود الفاصلة بين السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا والإثنوغرافيا والإثنولوجيا لرفع الخلط السائد والوصول بالموضوع إلى العلمية.
وفي تحليله لكيفية صياغة القرار السياسي، أوضح الدكتور المعزوز أن السلوك الانتخابي لا يمكن فهمه خارج ما يسمى بـ”الحقل الانتخابي” (Le champ électoral) الذي يقوم بنيويا على ثلاث دعائم أساسية؛ أولاها منزلة السلطة والدولة في تمفصلاتهما وعلاقتهما بالمخيال السياسي، وهو الآلية الذهنية التي يرسم بها المصوت والمنتخب نظرتهما للسلطة ويستدمجانها كممارسة ثقافية تفاضلية بين الأحزاب.
وأردف أن الدعامة الثانية تتمثل في القانون الانتخابي الذي يملك صلة وثيقة بالحقل الانتخابي وبالدولة، لكون الطرف الذي يضع القوانين والتقطيع الانتخابي والقاسم الانتخابي (كما حدث في ولايتي 2016 و2021) هو الذي يتحكم في هندسة الممكن وغير الممكن في الحقل السياسي بأسره وفق المنظور البورديوي (بيير بورديو)، مما يجعل الدولة طرفا رئيسا في إنتاج هذا الحقل.
وأضاف أن الدعامة الثالثة تتجلى في الأعيان والوسطاء المحليين بالمدن والقرى والبوادي، والذين يمثلون تجسيداً لثقافة لا شعورية تترجم وتكيف أو تدعم وتلغي القوانين الرسمية التي تضعها الدولة على المستوى الميداني الإثنولوجي تبعا لاختلاف المواقع والجهات.
وأشار في قراءته الأنثروبولوجية المعمقة إلى أن الحقل الانتخابي يشبه شريطا مطاطيا (لاستيك) يجذبه كل طرف نحو مصالحه؛ فالدولة تجر جزءًا، والأعيان والزعامات المحلية يجرون جزءًا آخر، مما يؤكد أن الانتخابات ليست أداة تقنية لتدبير الديمقراطية التمثيلية، وأن واهمًا من يعتقد ذلك، بل هي آلية إستراتيجية تعيد الدولة عبرها إنتاج ميزان القوى في المشهد السياسي وإعادة توزيعه مع كل دورة وموسم وتقسيم انتخابي بما يوافق استقرارها وفي إطار علاقتها بالمجتمع.
وصحح الدكتور المعزوز الخلط المفاهيمي الشائع بين “النظام السياسي” و”الدولة”، موضحًا أن الدولة فكرة مجردة وغير مجسدة في رئيس أو حكومة، بل هي فكرة تتشخص وتتبلور من خلال مؤسساتها وإدارتها وجيشها، مؤكدًا على أن موسم الانتخابات بالمغرب ليس طقسًا واجهاتيًا لصناعة الديمقراطية التمثيلية فحسب، بل هو سيرورة سياسية وميدانية واضحة المعالم تبتغي منها الدولة أساسا إعادة ضبط وتوزيع توازنات موازين القوى في المشهد العام.

تعليقات الزوار
جاري التحميل ...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) لتحسين تجربتك. سنفترض أنك توافق على ذلك، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا رغبت. قبولتفاصيل أكثر