مجهول الهوية..

www.alhadattv.ma

بقلم : نبيل الريفي

تختزل فاجعة المستشفى الإقليمي ابن باجة بتازة واقعاً مؤسساتياً مروعاً؛ حيث تحولت هذه العبارة الإدارية الجافة من مجرد توصيف لشخص بلا وثائق، إلى غطاء للتنصل من المسؤولية الإنسانية والقانونية.

بدأت القصة بصورة حية وثّقت شخصاً ملقى على رصيف المستعجلات لساعات طوال دون التفاتة، وانتهت بعد ساعتين فقط بخبر وفاته المفجعة، مما فجّر موجة استياء عارمة دفعت النيابة العامة لفتح تحقيق قضائي عاجل و ربما مباشرة أبحاث أمنية مع الأطراف المعنية .

وجاء البلاغ التوضيحي للمندوبية الإقليمية للصحة ليعترف بالواقعة ويؤكدها، لكنه سقط في تناقضات صارخة تفضح حجم الارتباك الإداري؛ إذ كيف لمؤسسة تقر رسمياً بافتقارها لمصلحة الطب النفسي أن تجزم في بلاغها بأن الهالك يعاني من اضطرابات نفسية وسلوكية حادة؟ ومن هي الجهة التي منحت هذا التشخيص بناءً على معاينة سلوكية ظاهرة لشخص جُلب في الصباح الباكر من منطقة “بوشفاعة” دون ملف طبي؟

والتناقض الأكبر والأخطر يكمن في قلب الرواية الرسمية التي دفعت بأن الهالك “كان يغادر بشكل متكرر فضاء المراقبة الطبية نحو الساحة الخارجية”؛ فإذا كان الشخص مريضاً يعاني من اضطرابات حادة تمنعه من الإدراك وتدفعه لـ”العنف وسلوكيات غير منضبطة”، فإن مسؤوليته الطبية والقانونية تفرض وضعه تحت حراسة مشددة ومواكبة أمنية دقيقة لحماية حياته وحياة الآخرين. أما إذا كان في حالة “عجز وضعف جسدي تام” كما وثقته الصورة على الرصيف، فكيف يُترك في العراء لساعات بحجة انتظار “استكمال مساطر النقل الإداري” إلى مستشفى فاس بينما سيارات الإسعاف رابضة في نفس الفناء؟

إن إقرار البلاغ بأن الصورة التُقطت داخل الفضاء الخارجي التابع للمركز الاستشفائي هو إدانة رسمية صريحة وليست صك براءة؛ فأين كانت الأطقم الطبية، والتمريضية، وجيوش الحراس الأمنيين طوال تلك الساعات؟ هل يمكن لشخص منهوك القوى، يحتضر على البلاط، أن يعجز عن احتوائه وإسعافه طاقم مستشفى كامل؟ عندما يصل الإنسان إلى مرحلة الاحتضار، ينتفي أي فرق بين مريض نفسي ومريض عادي، وتصبح الأولوية القصوى هي إنقاذ حياته؛ غير أن هذا البيان التبريري يوضح أن المنظومة فضلت الاختباء وراء “التخريجات الجاهزة” عوض مواجهة الحقيقة.

إن محاولة المزاوجة بين ادعاء “عنف الشخص” لتبرير إخراجه للساحة، وبين تبرير “عجزه واضطرابه” لشرعنة الوفاة الفجائية، هي تخريجة ساقطة قانونياً وأخلاقياً أمام التحقيق القضائي الجاري؛ فالحقيقة الثابتة التي لا تحجبها المساحيق هي أن إنساناً مات أمام بوابة مرفق صحي كان يطلب فيه النجدة والعلاج، ومحاولة إلصاق الفشل بغياب هوية الضحية أو وضعه العقلي هي قتل ثانٍ له لن يمحو وصمة العار عن رصيف تازة.

تعليقات الزوار
جاري التحميل ...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) لتحسين تجربتك. سنفترض أنك توافق على ذلك، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا رغبت. قبولتفاصيل أكثر