www.alhadattv.ma
عبد السلام انويكًة
بدروب عدة هي تازة المدينة العتيقة (تازة العليا)، تلك التي بتوزع منتظم آخذ بالاعتبار ما هو محلي من بيئة محيطة مؤثرة. ولعل بقدر قدم دروب تازة وما هي عليه من هندسة وتعقيد سبل وخبر تعمير، فضلا عن منظرعمارة كما حال المدن ذات الطابع المغربي الاسلامي، بقدر ما تحفظ من ذاكرة رمزية انسانية ثقافية وتراثية. أمكنةلا شك أنهابحكي عبر زمن بلاد وعباد فضلا عن أثر لحظات ماض مستمر ورحلة ثابت ومتحول، وكأنها بلا حدود احالات اللهم ما يشهد من تأملات تحضرها أشياء وتغيب عنها أخرى حول ما كان من نبض حياة ذات يوم.
في هذه الاطلالة حول زخم دروب تازة، ارتأينا بمختصر مفيد عن الجزء الشمالي من المدينة شاهدا وعنوانا بقدر معبر من جدل فهم وقراءة وتداول، ويتعلق الأمر ب”درب الحجوي” في تماس مع الجامع الأعظم. ولا شك ما هناك من سؤال يخص علاقة هذا الدرب بأسرة الحجوي الشهيرة من زمن المغرب منذ العصر الوسيط، ومن خلالها قبيلة حجاوة العربية الأصول التي كانت مستقرة في المغرب الأوسط (الجزائر)، قبل انتقال فرقة منها تجاه المغرب زمن أبي الحسن على بن عثمان المريني (1331- 1348م) الملقب بالسلطان الأسود الذي وحّد بلاد الغرب الاسلامي وسعى لتوحيد مع بلاد الأندلس.وكان هذا الانتقال اثر سيطرته على بني عبد الواد بتلمسان، وحصل أن توزعت هذه الفرقة الحجاوية على عدة جهات من البلاد ضمن مجموعات( أسر)، واحدة منها استقرت بهضبة سايس حيث فاس مكناس، قبل ترحيلها من قبل السلطان مولاي إسماعيل الى تازة على اثر فتنة شهدتها فاس، مع أهمية الإشارة هنا الى أنه ليس هناك ما يفيد حول مشاركة اسرة الحجوي فيها من عدمها.
انما الأكيد في العلاقة بأسرة الحجوي، هو أن الحسن الحجوي والد محمد الحجوي ولد بتازة أواسط القرن التاسع عشر، وأن هذا الأخير (الابن) ولد بمنزل جده بفاس سنة 1874 في اسرة عالمة متفتحة، بحيث والدة المذكور كان عالما درس وأخذ عن كبار علماء تازة آنذاك من قبيل علال بن كيران ومفتى المدينة بوحجار ثم قاضيها محمد الخصاصي الذي من جملة ما أورد حوله، أنه (الحسن الحجوي) كان يحضر مجلسه الوعظي وكان يعيد له ما يسمع منه عن ظاهر قلب حرفيا، علما أن هذا الأخير أخذ أيضا عن علماء آخرين بمدينة فاس. ويظهر أن مسار تكوين وتمدرس الحسن الحجوي ارتبط ضمن فترة أولى بتازة ثم ثانية بفاس، وأنه عندما كان بتازة كان مقيما مستقرا بالدرب الشهير بها ب”درب الحجوي”. مع أهمية الإشارة الى أنه جمع في حياته بين طلب العلم أولا ثم التجارة ثانيا، تلك التي قاته الى بلاد المشرق ثم اروبا فيما بعد، وبالتالي ما انفتح عليه من معرفة وأخذ عن علماء واطلاع على أحوال ثقافة هنا وهناك أواخر القرن التاسع عشر، لدرجة ما تمكن منه واكتسبه عبر سفرياته من لغة اسبانية وانجليزية. وهنا من المفيد السؤال حول هل بانتهاء أخذ الحسن الحجوي عن علماء تازة ورحيله الى فاس، انتهى موطنه ومستقره فضلا عن علاقته بتازة، وأنه لم يبق من أثر سوى درب شاهد يحمل اسمه “درب الحجوي”؟ ذلك الذي لا يزال شامخا محتفظا بذكر لافت غير بعيد عن الباب الرئيس لجامع تازة الأعظم السلطاني شرقا وعن باب درب القطانين الشهير جنوبا.
ختاما “الحسن الحجوي” الذي بهذه الذاكرة عن أمكنة تازة ودروبها، هو والد محمد الحجوي الذي شغل منصب أول مندوب للمعارف (التعليم) بعد فرض الحماية على المغرب مطلع القرن الماضي، وذلك من خلال تجربتين (1912- 1914) (1921- 1939)، بل من جملة ما كلف به أيضا ترأسه لما عرف آنذاك ب”لجنة المذياع المغربي العربي”، فضلا عن اشرافه على المساجد القرائية في عموم المغرب، وترأسه للمجلس الشرعي الاستينافي الأعلى. دون نسيان كونه مارس التدريس في القرويين أواخر القرن التاسع عشر، قبل التحاقه بالمخزن العزيزي عندما تم توظيفه عدلا في صوائر دار المخزن سنة 1900، وقبل انتقاله الى وجده كأمين للديوانة المغربية بها سنة 1902، المدينة التي شغل فيها أيضا منصب مفتش الجيش الذي كان مرابطا بها خلال هذه الفترة الحرجة، حماية لها من هجوم الجيلالي الزرهوني الثائر (بوحمارة) عليها. وأنه نظرا لِما أبان عنه من خدمات وإخلاص كافأه السلطان بجعله نائبا رسميا له في الحدود المغربية الجزائرية الشرقية، مشرفا منفذا لما تم الاتفاق عليه مع الفرنسيين في موضوع الحدود التي بحكم معرفته بها، أسند اليهالسلطان مهمة السفارة عن المغرب بالجزائر. قبل اعفائه من جميع وظائفه سنة 1905 بإلحاح وطلب منه واعتبارات تخصه، حيث قصد مدينة فاس منفتحا على التدريس من جديد متتبعا منخرطا فيما شهده المغرب من حركة وطنية وعريضة مطالبة بالاستقلال، هذا قبل ما انتهى اليه من تهميش ومنطقة ظل حتى وفاته بعد بضعة أشهر من تاريخ استقلال المغرب.
رئيس مركز ابن بري للأبحاث وحماية التراث
